العزلة

نشرت: - 11:20 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 10011

media/Newsimages/magdy/dros/91.jpg

يتناول الدرس مفهوم العزلة والأسباب التي تؤدي إلى هذه العزلة، ثم أثر هذه العزلة على الشخص وعلى العمل الإسلامي، وكيف يمكن التغلب على أسباب العزلة وماهو طريق الخلاص والوقاية من العزلة .


  معنى العزلة:


 لغـــــــــة : الابتعاد أو التنحي جانباً، قال صاحب لسان العرب: 'عزل الشيء يعزله عزلاً، وعزله فاعتزل وانعزل، وتعزّل: نحّاه جانبًا، فتنحّى، وقوله تعالى: }إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ[212]{ [سورة الشعراء]معناه: أنهم لما رموا بالنجوم - كما في قوله تعالى: }وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا[9]{ [سورة الجن]- منعوا من السمع ' .


 اصطلاحا : وفي اصطلاح الدعاة يراد بها: إيثار حياة التفرد على حياة الجماعة، وذلك بأن يكتفي العامل بإقامة الإسلام في نفسه، غير مبال بالآخرين، وبما هم فيه من ضياع وهلكة، أو أن يقيم الإسلام في نفسه، ويسعى جاهداً لإقامته في الناس، ولكن بجهود فردية، بعيدة عن التعاون والتآزر من بقية العاملين في الميدان.


  أسباب العزلة:


1- الوقوف عند بعض النصوص الشرعية المرغبة في العزلة، مع الغفلة عن موقعها من النصوص الأخرى الداعية إلى حياة الجماعة: فقد جاءت بعض النصوص الشرعية مادحة للعزلة، ومرغبة فيها، كقوله صلى الله عليه وسلم: [يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَغَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ]رواه البخاري وأبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد ومالك .
وكإجابته للذي قَاَلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِه] قَالُوا ثُمَّ مَنْ قَالَ: [ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ]رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد. وكقوله في حديث حذيفة بن اليمان: [ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَرواه البخاري ومسلم وابن ماجه. وكقوله: [ مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْر ٍ] رواه مسلم وابن ماجه وأحمد.
وكذلك جاءت بعض النصوص الشرعية الأخرى داعية إلى السير تحت لواء الجماعة، والعيش في كنفها، كقوله تعالى:} وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[2] {“سورة المائدة”.
} وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [103] {“سورة آل عمران” ،}إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ[4]{ [سورة الصف].وكقوله صلى الله عليه وسلم: [عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ] رواه الترمذي وأحمد. والذي يقف عند النصوص الأولى المرغبة في العزلة، ناسياً أو متناسياً صلتها بالنصوص الأخرى الداعية إلى مخالطة الجماعة، والعيش في رحابها؛ يبتلى أو يصاب لا محالة بآفة العزلة أو التفرد.


2- الوقوف عند ظاهرة العزلة التي أثرت عن بعض السلف مع الغفلة عن الظروف التي دعت إلى ذلك : وقد يكون الحامل على العزلة ما أثـر عن بعض السلف: أنهم آثروا العزلـة على مخالطة الجماعة، ومعايشتها، فها هو نبي الله إبراهيم عليه السـلام يقول لقومـه:} وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ[48]{ [سورة مريم] وقد كان الحامل له على ذلك:استنفاذ وسائل التغيير والإصلاح، ثم إصرار قومه على الكفر الألدّ الذي خشي معه الفتنة في الدين، ففر منهم، واعتزلهم.
وها هو أبو ذر وابن عمر، ومعهما جمع من الصحابة يعتزلون المسلمين، ويعيشون وحدهم لمّا وقعت الفتنة، وقد كان الباعث لهم على ذلك، صيانة أيديهم أن تغمس في دماء زاكية، طهّرها الله عز وجل، ولا يعرفون من المصيب، ومن غير المصيب.
وهذا هو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، يقضي أخريات حياته في عزلة بعيداً عن الناس، وقد كان عذره تجنب مصادمة السلطات؛ حقناً لدماء المسلمين.
وإن الذي يقرأ عن هذه العزلة، التي عاشها هؤلاء، وينسى ظروفها وملابساتها؛ يتولد في نفسه معنى الاقتداء، أو على الأقل المحاكاة والتشبه، فيلجأ إلى حياة العزلة، بعيداً عن جو الجماعة، حتى وإن لم يكن لهذه العزلة ما يبررها ويدعو إليها.


3- الظن أن حياة الجماعة تلغي ذاتية المنتمى إليها، وتؤثر على شخصيته مع الغفلة عن منهج الإسلام في التوفيق بين الفردية والجماعية : إذ يقوم هذا المنهج على دعوة الفرد إلى أن يعيش في كنف الجماعة، ويستظل بظلّها، في الوقت الذي يؤكد فيه أنه مسئول مسئولية كاملة عن كل تصرف يقع منه، فيقول له:}وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[18]{ [سورة فاطر].}كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[38]{ [سورة المدثر] }يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا[48]{ [سورة البقرة] }بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ[14]وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ[15]{[سورة القيامة]} وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى[18]{ [سورة فاطر] وأن عليه أن يبذل النصيحة بشروطها وآدابها لكل واحد في الجماعة مهما علا كعبه، ومهما عظمت مكانته، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ ] رواه مسلم والترمذي وأبوداود والنسائي والدارمي وأحمد. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :[ الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِه]رواه أبوداود والترمذي . ولقد عاش الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش المسلمون بعضهم مع بعض، فما رأينا فرداً ذابت شخصيته، أو تلاشت فرديته في الجماعة، وإنما رأينا النصيحة والشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبهذه الدعوة ينشأ في نفس المسلم كيان داخلي متميز، واضح المعالم والحدود، وتبقى أعصابه منتبهة لكل ما يمسه، ولو من بعيد .. إن هذا الظن، وهذه الغفلة، ينتهيان بالعامل لا محالة إلى أن يلجأ إلى العزلة، فيصاب بآفة من أخطر الآفات.


4- الغفلة عن طبيعة تكاليف مخالطة الجماعة، والعيش بين الناس : فطبيعة هذه التكاليف: أنها كثيرة، ضخمة، تستوعب حياة الإنسان من أول يوم إلى آخر يوم، وقد لا تنتهي، وغالباً ما تكون على خلاف ما تهوى الأنفس، ومالم يكن العامل منتبهاً لذلك، فإنّه يهمل نفسه من التزكية، والتربية، والمجاهدة، وتسيطر عليه الأهواء والشهوات، وبمرور الأيام يضعف ويعجز عن القيام بهذه التكاليف، وحينئذ يبحث عن مخرج أو ملجأ، فلا يجد سوى العزلة أوالتفرد.


5- التذرع بأن مخالطة الناس تشغل عن التفرغ للعبادة، مع الغفلة عن المفهوم الصحيح للعبادة: إذ المفهوم الصحيح للعبادة- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- إنها:' اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج عبادة. والدعاء، والاستغفار، والذكر، وتلاوة القرآن عبادة. وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام عبادة. والوفاء بالعهود عبادة، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين عبادة. والإحسان للجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والخادم، والرحمة بالضعيف، والرفق بالحيوان عبادة. وكذلك حبّ الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء في رحمته، والخوف من عذابه وأمثال ذلك كله عبادة'.والقرآن الكريم، والسنة النبوية يصدقان هذا المفهوم الذي قاله شيخ الإسلام.
على أن مخالطة الناس لا تمنع أن تكون للمسلم أوقات يخلو فيها بنفسه ليؤدي واجباً، أو يتقرب إلى الله بنفل، أو يحفظ علماً، أو يحقق مسألة، أو يتلو قرآناً، أو يذكر ويتفكر، أو يحاسب نفسه، وذلك هو معنى قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: 'خذوا حظكم من العزلة '. إن غياب المفهوم الصحيح للعبادة عن بال المسلم العامل، وحصره العبادة في دائرة الشعائر التعبدية، متوهماً أن حياة الجماعة تحول بينه وببن التفرغ الكامل لأداء هذه الشعائر، كل هذا يوقعه لا محالة، في آفة العزلة أو التفرد.


6- الاعتذار بانتشار الشّر والفساد مع الغفلة عن دور المسلم حين ينتشر الشر والفساد: مع الغفلة عن دور المسلم حين ينتشر الشر والفساد، إذ إن دور المسلم في هذه الحال أن ينشط للمقاومة بكل الأساليب المتاحة والوسائل الممكنة، ولا يلجأ إلى العزلة إلا عند تمكّن الداء، وعجز الوسائل، وخوف الفتنة. وإذا ما غفل المسلم العامل عن حقيقة هذا الدور؛ فإنه يفر لأول وهلة إلى العزلة أو التفرد، وتتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد، وصدق الله العظيم القائل:
} وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ[251]{ [سورة البقرة]. }الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [40]{ [سورة الحج]. وَصَدَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًارواه البخاري والترمذي وأحمد.


7- الاطلاع على صور من المحن والشدائد ابتلي ويبتلى بها العاملون لدين الله على مدار التاريخ، مع الغفلة عن موقف هؤلاء العاملين من هذه الصور: إذ إن موقف هؤلاء إنما كان اليقين التام بأن الابتلاء سنة من سنن الله في الدعوات، ثم الاعتراف بالتقصير، واللجوء إلى الله أن يثبت أقدامهم على الطريق، وأن ينصرهم، وقد قبل الله منهم؛ فثبتهم، ونصرهم:} وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ[146]وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[147] فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[148]{[سورة آل عمران]. نعم إن العامل إذا اطلع على هذه الصور، وكان في غفلة عن موقف أولئك الممتحنين؛ يسيطر عليه الخوف والهلع، ويحاول أن يجد مخرجًا، وحينئذ تسول له نفسه، ويزين له الشيطان أن المخرج إنما يكون في العزلة أو التفرد؛ فيركن إلى ذلك.


8- صحبته نفر من المسلمين منهجهم العزلة، وسيرتهم التفرد:


وقد يكون الحامل على العزلة صحبته نفر من المسلمين منهجهم العزلة، وسيرتهم التفرد، نظرا لأن المرء شديد التأثر بقرينه، لا سيما إذا كان هذا القرين ذا شخصية مؤثرة، وممن يقتدى، أو يتأسى به.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ] رواه الترمذي وأبوداود وأحمد.


9- تعدد الهيئات والجماعات العاملة لدين الله : وقد يؤدي تعدد الهيئات والجماعات إلى أن يقع المسلم العامل في حيرة من أمره: مع أي من هذه الهيئات، وتلك الجماعات يعمل؟ وعن أي منها يبتعد؟ وتنتهي به هذه الحيرة إلى العزلة أو التفرد، لاسيما إذا لم يكن يعرف حقيقة هذه الهيئات، وتلك الجماعات وموقفه منها، إذ إن حقيقة هذه الهيئات وتلك الجماعات أنها جميعًا على خير، بيد أن هذا الخير متفاوت، فمنها ما هو على جزء يسير من الخير، ومنها ما هو على كثير من الخير، ومنها ما هو على الخير كله، وأن موقفه منها يفرض عليه أن يتعرف عليها جميعاً:أهدافاً، ووسائل، ثم يسير مع من كانت على الخير كله:


  بأن يكون هدفها تطبيق شرع الله، ومنهجه في الأرض:} إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [57]{ [سورة الأنعام] .


  وأن تقصد بكل ما يصدر عنها من أقوال، وأفعال وجه الله:} قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[162]لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[163]{ [سورة الانعام].


  وأن تخلع كل ولاء إلا ولاء الله ورسوله، والمؤمنين المستمسكين بهدى الله: }إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[55]وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[56]{ [سورة المائدة].


  وأن تفهم الإسلام فهماً وسطاً، دون غلو أو تشدد، ودون تفريط أو إسراف، ثم تعمل به كله من السّواك إلى الجهاد: } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [208]{ [سورة البقرة].


  وأن تعمل ابتداء على إيجاد الشخصية المسلمة، الجامعة لكل خصال الخير، المتأبّية على كل خصال الشر، والمستأهلة لعون الله وتأييده ونصره:} إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [11]{ “سورة الرعد”. }قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا[9]وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[10]{ [سورة الشمس].


  وأن تتوسع في تحقيق هذا الشخصية المسلمة بحيث تنتشر، وتعم المجتمع كله، بل العالم كلّه:} وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[107]{ [سورة الأنبياء].


  وأن تجتهد في الربط بين هذه الشخصيات المسلمة بحيث تصدر عن رأي واحد، وتصير فكراً واحداً، وقلباً واحداً، وروحاً واحداً، ومشاعر واحدة، وإن تعددت الأجساد:} وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [103]{ [سورة آل عمران].


  أن تنطلق من ترتيب واع دقيق، مبني على دراسة وفهم الواقع باستمرار، ثم التعامل معه بناء على هذه الدراسة، وهذا الفهم:} وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [105]{ “سورة التوبة” }وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ[121]{ [سورة هود].

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    هل تفجر الأمم المتحدة مفاجأة مدوية بشأن إسرائيل؟

    كشفت مصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة أن الأمين العام بان كي مون يميل إلى عدم وضع إسرائيل في قائمة سنوية للدول المسؤولة.

    29 مايو 2015 11:30:00

    إخلاء سبيل رهينة ألماني كان محتجزا لدى طالبان في شمال أفغانستان

    أكدت الشرطة الأفغانية الجمعة إخلاء سبيل مواطن ألماني كانت حركة طالبان قد اختطفته في إقليم قندوز بشمال البلاد

    29 مايو 2015 11:10:00

    عفو ملكي عن شقيق الطيار المغربي الذي سقط في اليمن

    أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس عفوا استثنائيا عن شقيق الطيار المغربي ياسين بحثي ربان طائرة الـ«اف16» الذي لقي حتفه بعد سقوط طائرته فوق الأراضي اليمنية.

    29 مايو 2015 11:10:00

    فائزون بـ"نوبل" يطالبون بإنهاء اضطهاد مسلمي الروهينيجا

    طالب فائزون بجائزة نوبل للسلام، أمس الخميس، بوضع حدٍ للاضطهاد والظلم بحق مسلمي الروهينيغا في ميانمار، واصفين ما يُرتكب بحقهم بالإبادة العرقية.

    29 مايو 2015 11:00:00

    "جلوبال بوست" تنتقد أحكام الإعدام الجماعية بمصر

    انتقدت صحيفة "جلوبال بوست" الأمريكية ما سمتها الإعدامات الجماعية المتتالية في مصر، مشيرة إلى أنها تكرار للسيناريو الذي حدث في إيران, عندما تخلصت من معارضيها بالطريقة ذاتها عام 1979.

    29 مايو 2015 10:50:00

    نظام بشار يعترف بالهزيمة في آخر معاقله بإدلب

    اعترف نظام بشار الأسد ، بفقدان السيطرة على مدينة أريحا الاستراتيجية، التي تعد آخر معاقله في محافظة إدلب بشمالي غرب البلاد.

    29 مايو 2015 10:40:00

    ربيع الحجاب فى تركيا

    فى النهاية يبدو أن عام 2015 سيكون ربيعا سياسيا للمحجبات فى تركيا حيث ستدخل محجبات كثيرات البرلمان وسيكون لهن حق التشريع وإلغاء القوانين التي أصدرتها الحكومات العلمانية والتي منعتهن من العمل.

    27 مايو 2015 06:08:00

    الورقة المذهبية بين انتماءات الداخل وارتهانات الخارج

    عد الإيرانيون الورقة المذهبية امتيازا يخولهم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج.

    26 مايو 2015 12:22:00

    هل تصبح القلمون آخر معارك الأسد؟!

    وقد كان حسن نصر الله أمين عام حزب الله واضحاً حين قال أن معركة القلمون هى معركة حياة أو موت.

    25 مايو 2015 09:24:00

    لماذا نتهم إيران بتفجير القديح ؟

    ورغم مأساوية الحادث ودمويته وظلاله القاتمة على الشعب السعودي ، إلا إن ذلك لا يمنعنا من طرح أسئلة مشروعة.

    24 مايو 2015 06:02:00

    الروهينجا وعسكر بورمـا والنفاق العالمي

    عجيب أمر هذا العالم الذي يشبع من كل شيئ إلا من دم المسلمين ، ولايطيب له راحة بال ولايهدأ له واقع إلا إذا ارتوى من دم الانسان المسلم فنجده يتلذذ به.

    23 مايو 2015 10:04:00

    ماذا يريد العلمانيون المصريون من الحجاب؟

    القوم يكرهون، بشكل خاص، الحجاب، فهذا الزي يسبب لهم استفزازًا عظيمًا، وخاصة حينما انتشر في الجامعات والمدارس والمصالح الحكومية وفي الشارع بوجه عام، ذلك أن الحجاب يمكن اعتباره رمزًا للمشروع.

    21 مايو 2015 09:08:00

    إغلاق