مقتل أبي مسلم الخراساني

نشرت: - 12:00 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 9510

الزمان/ الأربعاء 25 شعبان - 137هـ

المكان / المدائن ـ أرض ما وراء النهر

الموضوع / أبو جعفر المنصور يقتل أبا مسلم الخراساني.

الأحداث /

مفكرة الإسلام : يحفظ التاريخ لنا عن شخصيتين ظهرتا في الدولة الأموية ثم الدولة العباسية اشتهرتا في التاريخ بالقوة والشدة وسفك الدماء وكان لهما الأثر البالغ في تشييد كلتا الدولتين أولهما الحجاج الثقفي، وثانيهما أبو مسلم الخراساني صاح هذه الصفحة .

بدأت فكرة الدعوة العباسية من سنة 99 هـ واستمر طور العمل فيها ينتقل من مرحلة لأخرى في سرية كاملة وأثناء هذه المراحل أصيبت هذه الدعوة بانتكاسات وضربات وكمون وظهور ثم خدمتهم الأقدار ابتداءًا من سنة 127 هـ لسببين أولهما مقتل الوليد بن يزيد وانشقاق البيت الأموي على نفسه وثانيهما اشتعال نار العصبيات القومية بين قبائل العرب [مضر ربيعة/ اليمن] في بلاد خراسان، ولكن الدعوة العباسية كانت في حاجة إلى قائد قوي يستطيع استغلال الأحداث الجارية على الساحة في خراسان لصالح الدعوة، وفي هذه الأثناء ظهر أبو مسلم الخراساني على ساحة الأحداث، واسمه عبد الرحمن بن مسلم وكان من موالي عيسى العجلي فاشتراه منه بكير بن ماهان [كبير دعاة العباسيين] وتلقى أبو مسلم على يده أصول التشيع ثم اتصل بإبراهيم الإمام فتوسم فيه النبوغ والقدرة والعزيمة القوية فاختاره لقيادة خراسان وكتب له كتابًا بذلك، وكـان عمره وقتــها تسع عشــرة سنة فقط.

ولقد وصى إبراهيم الإمام أبا مسلم بوصية خطيرة تقوم على أساس إيقاع الفرقة بين القبائل وقتل كل من يشك فيه ويتهمه حتى ولو كان صبيًا صغيرًا.

تسلم أبو مسلم القيادة رغم معارضة شيخ الدعوة [سليمان بن كثير] لذلك لحداثة سن أبي مسلم، ولكنه أظهر براعة فائقة في قيادة العمل، وكان ذو مقدرة إقناعية عالية، فاستطاع إقناع كثير من ولاة الأمويين الذين استشعروا غروب شمس الأمويين، ولما زادت قوة أبي مسلم دخل في طور العمل العلني وذلك سنة 129 هـ عندما نزل قرية من قرى مرو [عاصمة خراسان] يقال لها سفيدنج وجعلها قادة للدعوة إليها يلجأ الناس الراغبون في دعوتهم ووقع على حصنها راية السحاب إشعاراً بظهور الدولة العباسية وصلى بها عيد الفطر وأمر سليمان بن كثير أن يصلي بهم وبالشيعة وفي نفس اليوم كتب أبو مسلم لوالي خراسان نصر بن سيار يدعوه للدخول في طاعة العباسيين فأرسل له نصر جيشًا كبيرًا ولكن أبا مسلم انتصر عليه في موقعة ألين سنة 130 هـ، وكان هذا هو أول صدام عسكري بين العباسيين والأمويين، وبعدها زادت قوة أبي مسلم بدرجة جعلت كل القبائل العربية المتناحرة في خراسان تتحد لحرب أبي مسلم وكان موقفًا عصيباً على القائد الصغير، ولكنه أبدى صنوفًا من الثبات والدهاء والمكيدة لم تخطر على بال الإمام نفسه الذي ولاه فأوقع القبائل العربية مرة أخرى في بعضها البعض، وهو في نفس الوقت يرسل قواده يستولون على القرى والمدن من عمال نصر ولا يجدون مقاومة تذكر، وأبو مسلم يصالح بعضهم على الآخر ويضرب هذا بذاك حتى قضى على الجميع بالمكر والغدر أحيانًا كثيرة حتى خضعت مرو كلها له فأخذ البيعة للعباسيين فيها وصارت بلاد خراسان كلها عباسية وصارت نقطة انطلاق الجيوش العباسيين على باقي بلاد الخلافة الأموية وفي هذه الأثناء مات إبراهيم الإمام في سجن الأمويين وخلفه أبو العباس السفاح.

كان السفاح يحترم أبا مسلم جدًا ولا يقطع أمرًا من دونه خاصة أنه يرى في أبي مسلم الركن الذي أقام الدولة العباسية فلما تولى السفاح الخلافة العباسية كأول خليفة عباسي ظل أبو مسلم واليًا على خراسان وزادت قوته ونفوذه وقام سلطان ونفوذ السفاح على أكتاف ثلاثة رجال : 1 ـ أبو مسلم الخراساني بالمشرق . 2 ـ أبو جعفر المنصور بالجزيرة وأرمينية والعراق. 3 ـ عبد الله بن علي بالشام ومصر، وكان بين الثلاثة شر وحقد وضغائن وفتنة ، والتي ما لبثت أن طفت على السطح وظهرت بقوة بعد وفاة السفاح.

بلغت قوة أبي مسلم الخراساني الحد الذي جعله يشعر أنه لولاه ما كانت الدعوة العباسية قامت ولولا جهوده وذكائه لم يكن لهم دولة، وجعلته يشعر أنه قرين الخليفة بل هو أولى منه بالأمر، وكان أبو مسلم غير معروف النسب فادعى انتسابه إلى سليط بن عبد الله بن عباس كخطوة أولى لطلبه الخلافة ثم خطب عمة المنصور آمنة بنت علي، وكان أول الشر بين أبي مسلم والمنصور في حياة السفاح عندما كتب أبو مسلم للسفاح يطلب منه الإذن بإمرة الحج في 136 هـ ، ولما علم المنصور ذلك طلب الإذن من أخيه السفاح إمرة الحج فأذن لكلاهما فلما علم أبو مسلم قال 'ألم يجد المنصور عاماً غير هذا يحج فيه' وحقدها عليه، وفي موسم الحج تقدم أبو مسلم  في الطريق على المنصور، وكان أبو مسلم قد وزع أموالاً كثيرة، فكان الصيت له في الحج، وكان المنصور بخيلاً فحقد المنصور عليه جدًا وأثناء السير جاءت الأخبار بموت السفاح وتوليه المنصور فلم يكتب أبو مسلم يهنيه بالخلافة فعرف المنصور أنه ينوي الخلاف.

لما تولى المنصور رأى أن يضرب عمه عبد الله بن علي بأبي مسلم الخراساني حتى يقضي أحدهم على الآخر ثم يتفرغ لمن بقي منهما بعد أن تكون قوته قد أنهكت وبالفعل نجحت الفكرة الذكية فقضى أبو مسلم على عبد الله بن علي، وكانت شرارة الخلاف العلني عندما أرسل المنصور رجلاً من عنده يحصي الغنائم المأخوذة من جيش عبد الله بن علي فغضب أبو مسلم ويقول : [أأكون أمينًا على الدماء ولا أكون أمينًا على الأموال] ثم كتب المنصور لأبي مسلم كتابًا بتوليه على الشام ومصر ذلك ليصرفه عن خراسان قاعدته التي بها أنصاره فلما علم أبو مسلم قال [يوليني الشام ومصر وخراسان لي] ويقرر العصيان وتوجه إلى خراسان ودارت بينه وبين المنصور رسائل ومكاتبات لم تفد معه حتى استطاع المنصور أن يعمل الحيلة عليه فأرسل إلى خليفة أبي مسلم في خراسان أن يعطيه ولاية خراسان طوال حياته، ثم أرسل إلى أبي مسلم رسالة تهديد قال له فيها : إنه [برئ من العباس إذا لم تأتني ولو كنت في آخر بلاد الدنيا لتجشمت الصعاب حتى آتيك ولو كنت في النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت دونك] وزلزلت هذه الكلمات الطاغية الجبار أبو مسلم وتحير في أمره ماذا يفعل وفي هذا الوقت وصله كتاب من خليفته على خراسان والذي قد استماله المنصور يقول له فيه [إننا لم نخرج إلا طاعة لله وأهل بيت رسول الله ولم تخرج لمخالفة خلفاءنا فأطع الخليفة فيما أمرك به] فازداد أبو مسلم همًا وغمًا وتحير أكثر في أمره، ثم أجمع على الذهاب إلى المنصور بالمدائن.

عندما علم المنصور بأن أبا مسلم قادم عليه أمر وجوه الناس وبني هاشم أن يستقبلوه في الطريق ويبالغوا في الاحتفال به حتى يطمئن ويذهب نية الغدر من قلبه ثم أمر أربعة من الحراس أن يقفوا وراء الستائر وإذا سمعوه يصفق بيديه يخرجوا فيقتلوه فلما دخل أبو مسلم على المنصور انبسط له المنصور في الحديث حتى ظن أبو مسلم أنه ناج ثم بدأ المنصور يعاتبه في أشياء صدرت عنه مثل تقدمه في طريق الحج وعدم تهنئته بالخلافة وخطبته لعمته آمنة بنت علي وادعاءه أنه ولد سليط بن عبد الله بن عباس ومخالفته لأمره وعصيانه عليه بخراسان، وأبو مسلم يجيب على هذه المعاتبات بصورة جيدة حتى وصل المنصور لسؤاله عن سبب قتله لسليمان بن كثير وإبراهيم بن ميمون، وغيرهم فقال أبو مسلم [لأنهم عصوني وخالفوا أمري] وعندها استشاط غضبًا، وقال له [أنت تقتل إذا عصيت وأنا لا أقتلك وقد عصيتني ؟ فقال له أبو مسلم [استبقي لأعدائك يا أمير المؤمنين، فقال المنصور [وأي عدو لي أعدى منك] ثم صفق بيديه فخرج الحراس وقتلوا أبو مسلم وقطعوه إربًا ثم وقف المنصور عليه وهو قتيل فقال له [رحمك الله يا أبا مسلم بايعتنا فبايعناك وعاهدتنا فعاهدناك ووفيت لنا فوفينا لك وإنا بايعناك على ألا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه فخرجت علينا فقتلناك وحكمنا عليك حكمك على نفسك لنا ].

هكذا انتهت حياة هذا القائد العسكري والداهية الذي أقام أساس الدولة العباسية وسفك دماء قرابة ستمائة ألف نفس من أجلها والذي عرف باسم أمير آل محمد والذي رأى لنفسه الفضل الأكبر لتشييد الدولة وله مكانة تفوق مكانة الخلفاء فاستحقرهم واستهزئ بهم فنهايته مثل نهاية كثير من القادة الذين قاموا بمثل ما قام به، ولكن الله عز وجل يسلط الظالمين بعضهم على بعض فأخذه الله بما كان منه من سفك الدماء وكانت نهايته على يد من سفك الدماء من أجل ملكهم. سئل عبد الله بن المبارك وقد رأى أبا مسلم وسمع منه أهو خير أم الحجاج؟ فقال لا أقول إن أبا مسلم كان خيرًا من أحد ولكن كان الحجاج شرًا منه، وقيل أن أبا مسلم قد تاب مما فعله من أجل العباسيين، ولا يمنع هذا أنه كان نابهًا حازمًا ذا عزيمة تفل الحديد، ولكنه كان سافكًا للدماء، ومن كلماته الشهيرة عندما سئل عن سبب تقدمه وعلو همته قال [ارتديت الصبر وآثرت الكفاف وحالفت الأحزان والأشجان وشامخت المقادير والأحكام حتى بلغت غاية همتي وأدركت نهاية بغيتي].

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    ما الذي تخشاه إسرائيل من فوز حماس في المحليات؟

    أعلنت حماس الشهر الماضي نيتها المشاركة في الانتخابات البلدية في مناطق السلطة الفلسطينية، وهو القرار الذي أخاف السلطة الفلسطينية كونهم يتوقعون حصول حماس على الأغلبية في الكثير من المناطق.

    29 أغسطس 2016 07:01:00

    استشهاد طفل وإصابة والدته فى نجران بمقذوف يمني

    استشهد طفل سعودي في وقت مبكر من فجر اليوم الإثنين، بمقذوف مصدره الأراضي اليمنية على منطقة نجران، جنوبي المملكة، وذلك بعد ساعات من استشهاد طفلتين جراء مقذوف آخر.

    29 أغسطس 2016 01:20:00

    تتار القرم يطالبون المنظمات الدولية بتشديد العقوبات على روسيا

    ناشد المجلس القومي لتتار القرم، الأحد، الأمم المتحدة والاتحاد والمجلس الأوروبيين  وحلف شمال الأطلسي "ناتو" والمنظمات الدولية الأخرى، تشديد العقوبات والقيود المفروضة على روسيا

    29 أغسطس 2016 01:05:00

    تونس:تحقيق بشأن غرامات على السياح الجزائريين‎

    أعلن السفير التونسي المعتمد لدى الجزائر عبد المجيد الفرشيشي، يوم الأحد، مباشرة سلطات بلاده تحقيقات على أعلى مستوى فيما وصفه بارتكاب خروقات بالمعابر البرية مع الجزائر

    29 أغسطس 2016 12:46:00

    وفاة وزير الدفاع الصهيوني السابق بن إليعازر

    توفي وزير الدفاع الصهيوني السابق، بنيامين بن اليعازر، الأحد، عن عمر يناهز 80 عاما، حسب الإذاعة العبريةة العامة.

    29 أغسطس 2016 12:41:00

    قطر تفرض ضريبة مطار على المسافرين

    فرضت حكومة قطر ضريبة مطار على المسافرين بدءا من يوم الثلاثاء مع بحث الدولة الخليجية عن مصادر جديدة للدخل وسط تراجع أسعار النفط.

    29 أغسطس 2016 12:20:00

    ما الذي تخشاه إسرائيل من فوز حماس في المحليات؟

    أعلنت حماس الشهر الماضي نيتها المشاركة في الانتخابات البلدية في مناطق السلطة الفلسطينية، وهو القرار الذي أخاف السلطة الفلسطينية كونهم يتوقعون حصول حماس على الأغلبية في الكثير من المناطق.

    29 أغسطس 2016 07:01:00

    الأزمة السورية بين مطرقة الحرب وسندان المصالح السياسية

    والحقيقة أن صفقة أمريكية روسية مُزمعة بشأن الصراع السوري لن تؤدي إلى نتائج ملموسة سوى استفادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن من هذه الصفقة.

    28 أغسطس 2016 06:28:00

    أمريكا تدفع ثمن ازدراء تركيا

    الدعم الدولي الكبير للأكراد قد أخذ في الانحسار ، بصورة دفعت الكثير من المراقبين للتساؤل : هل تخلى الأمريكان والروس عن دعم الأكراد ، وباعوهم لصالح الحليف التركي ؟!

    27 أغسطس 2016 06:38:00

    تعقيدات الأزمة اليمنية .. إيران والنفاق الدولي

    المتأمل للأزمة اليمنية يلاحظ أنها تتعقد يومًا بعد يوم، حتى وصلت إلى درجة من التشابك والتأزم لم يسبق لها مثيل، وهذا كله ناتج عن كثرة الأطراف الخارجية المتدخلة وعن غطرسة وتمنع الأطراف الداخلية

    24 أغسطس 2016 06:37:00

    باحث في شؤون الفرق يكشف لمفكرة الإسلام سر الاحتفاء الأمريكي بـ"كولن"

    كشف الشيخ محمد المقدي ، الباحث في شؤون الفرق أن الصوفية هي النموذج الذي تحرص أمريكا على تلميعه في العالم الإسلامي.

    22 أغسطس 2016 06:45:00

    باكستان بين التركيع والتطويع

    تحقيق الصين لتفوق إستراتيجي على أمريكا في جنوب أسيا ، ودخول مناطق نفوذ تاريخية للأمريكان ، كان بمثابة الخط الأحمر الذي تجاوزته العلاقات الصينية الباكستاني.

    20 أغسطس 2016 06:29:00

    إغلاق