إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا
لماذا اقتحمت طالبان كابول؟
عـــصــام زيــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
أن تقتحم حركة طالبان العاصمة الأفغانية كابول في وضح النهار بما يقرب من 20 مسلحا, تهاجم بهم أكثر المركز الحكومية تحصينا, وفي مقدمتها القصر الرئاسي, فإن العملية لا تهدف بالطبع على الاستيلاء على العاصمة نظرا للعدد المحدود الذي اقتحمها, ومحدودية المعدات التي تحملها.
هذا ما يدعوا إلى القول أن عملية الاقتحام النوعية غير المسبوقة التي وقعت صبيحة يوم الاثنين (17/1), هي من قبيل العمليات التي تسميها الحركة عملية فدائية, وإن كانت هنا لها دلالات سياسية وعسكرية متعددة, وليست فقط مجرد عملية استنزاف لقوات الاحتلال الأمريكي والقوات الحكومية الموالية لها.
فقد اختارت حركة طالبان وقتها بعناية, وهو الوقت الذي من المفترض أن تتوجه فيه الأنظار إلى القصر الرئاسي, الذي استقبل 14 وزيرا من حكومة الرئيس حامد كرزاي لقسم اليمين الدستورية تمهيدا لتوليتهم مناصبهم بصورة رسمية.
وهو ما يعنى, بداية, أن عملية كابول, كانت تهدف إلى إفساد عرس كرزاي, والتقليل من حجم العملية السياسة التي تجريها حكومة كابول, ولا تحظى برضى حركة طالبان, كونها تأتي في ظل الاحتلال الذي يتحكم في كافة مفاصل البلاد, بما فيها العملية السياسية من الألف إلى الياء.
هذا عن دلالة التوقيت الذي اختارت حركة طالبان أن تجرى فيه عملية الاقتحام, وتتشابك هذه الدلالة مع دلالة أخرى, وهي دلالة الأماكن التي تم استهدافها واقتحامها والسيطرة عليها لبعض الوقت, فمجرد اقتراب عناصر الحركة من القصر الرئاسي بعشرين مسلحا يعنى أن الحكومة الحالية لا تملك من أمرها شيئا, فهي في حصونها القوية وبروجها المشيدة عرضة للاستهداف والقتل, ولا تقوى على فرض الأمن في عدة كيلومترات تحيط بالقصر الجمهوري ومؤسسات الحكم التي حوله.
وهي رسالة بالغة الأهمية لعدة جهات, في أولها الشعب الأفغاني, تأكيدا على أن من لا يستطيع حفظ أمنه في بيته لا يستطيع أن يفرض الأمن أو حتى يدعي ذلك في بقية البلاد مترامية الأطراف, وهو ما يعنى فشل الحكومة في أهم مسئولياتها.
كما أنها رسالة بالغة الأهمية لحكومة كرزاي نفسه بأن يد طالبان قادرة على الوصول إلى المكان الذي تريده والشخص الذي تبغيه, وأن آلاف الجنود من ايساف والناتو والمارينز وغيرهم لا يمكنهم أن يحفظوا له ملكا أو يغنوا عنه شيئا إذا ما أرادت حركة طالبان الوصول إليه.
والرسالة الثالثة ربما تكون للقوات الأجنبية المحتلة, وهي رسالة متعددة الأسطر, في سطرها الأول أن رهانهم على كرزاي وحكومته وقواته رهان على سراب يحسبه الظمآن ماء, وأن استراتيجيتهم المستقبلية لتفويض الأمن للقوات الأفغانية المحلية ليس أكثر من وهم وأماني باطلة تفتقر إلى أي رصيد يدعمها من الواقع, وبالجملة فإن رهانهم الحالي واستراتيجيتهم المستقبلية محض سراب ليس أكثر.
وفي سطرها الثاني أن طالبان أفغانستان, وبعد ما يزيد عن عشر سنوات من الاحتلال الأمريكي للبلاد, قادرة على الوصول إلى قلب العاصمة وبعشرين مسلحا فقط, وهو ما يعني أن حصاد عشر سنوات من الحرب والنفقات وآلاف القتلى والجرحى لا يعدو أن يكون صفرا دائريا كبيرا.
والسطر الثالث من الرسالة يحمل رسالة ضمنية للاحتلال بأن كل ما تم وسيتم في أفغانستان بمعزل عن الحركة ورضاها لا يشكل وضع مستقرا للبلاد, بل هو أقرب إلى بناء أكواخ من الرمال على شاطئ بحر هائج لا يعرف قرارا ولا استقرارا.
وهي في مضمونها أيضا رسالة استباقية للمؤتمرين والمجتمعين في مؤتمر لندن المقرر بعد أيام, والذي تحاول الدول الكبرى من خلاله التوصل لحل سياسي للوضع في أفغانستان، ومفادها أن طالبان لن تقبل هذه القرارات، ولن تقبل بالحلول الدبلوماسية التي سيخرج بها المؤتمر.
وإذا كانت هذه بعض الدلالات السياسية لحادثة اخترق كابول والأسباب التي دفعت طالبان للقيام بها في هذا التوقيت, فإن العملية أيضا تركت انطباعات متعددة عن الوضع في أفغانستان, خاصة في شقه الأمني والعسكري.
أول هذه الانطباعات عن وضعية قوات الأمن الأفغانية, فهي على ما يبدو ليست أكثر من قطعة من الجبن الفرنسي الطري ملئت باختراقات من كافة الجوانب والاتجاهات, وليس أدل على ذلك من قدرة طالبان على اختراق هذه القوات في أعلى درجاتها وأكثرها قربا والتصاقا بمركز السلطة.
وهو ما قد يفسر حالة الاندهاش التي تملكت بعض الصحفيين والمحللين, حيث تمكن مسلحي طالبان من اقتحام المباني الحكومية، رغم آليات التفتيش المعقدة التي يخضع إليها عادة كل من يريد أن يدخل هذه المباني, حيث يمر على الأقل بخمس محطات تفتيش قبل الوصول إلى هدفه, فكيف بعشرين مسلحا بمعدات وأسلحة وعربات مصفحة تابعة لجهات أمنية وشرطة من الوصل إلى قلب كابول ورئيسها ومراكزها الحيوية.
وهذا الانطباع يؤكد التصور المسبق عن مقاتلي حركة طالبان بأنهم ليسوا مجرد هواة ببنادق بدائية يجوبون الصحراء هائمين, بل هناك فكر وتخطيط ميداني على قدر عالٍ من الكفاءة والحرفية, خاصة في مجال الاختراق والتموية, خاصة إذا وضعنا إلى جوار هذه الحادثة, عملية الاختراق غير المسبوقة التي مكنت الأردني همام البلوي من الوصول لقاعدة خوست الاستخباراتية الأمريكية والقيام بعملية تفجير أردت سبعة من الاستخبارات الأمريكية قتلى في أفغانستان قبل عدة أيام.
كما يؤكد, من زاوية أخرى, أن هذه القوات الأمنية إما أنها على قدر كبير من الفساد حتى أعلى المستويات, بما يسهل عملية شرائها بالأموال, ومن ثم السماح وتمرير مثل هذه العمليات, أو أن ولاء قيادات كبيرة منها ليس على حقيقته الظاهرة للحكومة الحالية وقوات الاحتلال, فثمة من يدعم طالبان وهو في موقعه كقيادة عليا في الجيش والقوات الأمنية.
بل, وقد يمكن القول بأن هناك توجهات من البعض الساسة الأفغان ترفض جملة توجهات حكومة الرئيس كرزاي, وتستغل أذرعها الأمنية والعسكرية لإحراج هذه الحكومة وإسقاطها وإظهار عورتها أمام الشعب الأفغاني.
أضف إلى الانطباعات المتولدة من عملية كابول أن قوات الاحتلال تتوارى وراء بروج شيدتها وحصون أقامتها وتدفع في المقدمة على الدوام قوات الأمن والجيش الأفغاني, ولا تتدخل إلى في حالات محدودة حينما تخرج الأوضاع عن السيطرة ومن خلال الطائرات تقليلا لخسائرها البشرية المتفاقمة, وتجنبا لمواجهة مباشرة مع طالبان.
فقد نجحت الحركة في تحويل وسط العاصمة الأفغانية إلى ميدان معركة على مدى حوالي أربع ساعات تخللتها تفجيرات وإطلاق نار كثيف بالأسلحة الأوتوماتيكية والرشاشات الثقيلة, ولم يكن هناك ما يشير إلى وجود قوات الناتو في ساحة المعركة إلا من خلال طائراتها التي كانت تحلق استطلاعا للموقف.
إن هذه العملية مهدت طريق طالبان نحو كابول, وكشف حقيقة حكومة كرزاي, وكونها ليست أكثر من نمر من ورق مقوى يخفي من ورائه ضعفا سياسيا وأمنيا.