عندما تكون الأمة بلا قضيّة ولا أهداف سامية

نشرت: - 05:35 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 20083

media/Palestine/_new_aksakods3.jpg

الدكتور فواز القاسم

 

بسم الله الرحمن الرحيم عندما تكون الأمة بلا همّ ولا قضيّة ولا أهداف سامية لقد جاء الإسلام العظيم على العرب وهم أمة بلا همّ ولا قضية ولا أهداف سامية ... أمة ضعيفة، مشرذمة، فقيرة، أميّة، تأكل الحشرات، وتئد البنات، وتعيش على الحروب والثارات والغارات... وتسيل فيها الدماء أنهاراً، وتستمر أعواماً، لأتفه الأسباب، فمرّة من أجل فرس، وأخرى من أجل ناقة بل من أجل ضرع ناقة!!!

فلما جاء الإسلام العظيم، عدّل سلوكهم، وتمّم أخلاقهم، ووجه طاقاتهم، وارتقى بعقائدهم، ووسّع مداركهم، وصنع لهم همّ مقدّس يعيشون به، وهو همّ الإسلام والإيمان، وقضية سامية يجاهدون من أجلها، وهي قضية خلافة الله في أرضه، وأهداف سامية يعملون على تحقيقها، وهي إعمار الحياة، وترشيد العصر، وقيادة البشرية، وتغيير وجه التاريخ ... ونشهد، ويشهد معنا التاريخ البشري كله، بأن الإسلام العظيم كان قد حقق بهم معجزة التاريخ الكبرى، ففي أقل من ربع قرن، وهو عمر محدود على مستوى الأفراد فضلاً عن مستوى الأمم والحضارات، كانوا قد سحقوا الكفر في جزيرتهم العربية، واقتلعوا الشرك فيها من جذوره، وحققوا دولة العدل والقانون والأخلاق والمبادئ، على أنقاض فوضى الشرك والكفر والظلم و الميليشيات والعصابات ... ثم خرجت جحافلهم المظفّرة من جزيرة العرب، فانساحت شرقاً، حتى وطئت بحوافر خيلها تربة الصين، وغرباً حتى خاضت بتلك الحوافر في مياه الأطلسي...

ولما سأل عظيم الفرس ( رستم ) بدهشة وذهول من لا يكاد يصدّق، أحد أفراد ذلك الرهط المبارك الزاحف إلى قمم المجد، الواطئ على جبين التاريخ ( ربعي بن عامر ) وهو لا يرى عليه غير خرقة بالية تستره، وبيده سيف كأنه شعلة من نار ...!!! - (( مالذي أخرجكم إلينا، وجرّأكم علينا .!؟ )) قال ربعي الأعرابي الذي ارتقى بالإسلام من سفوح الجاهلية إلى قمم المجد، ومن رعاية الغنم إلى تعليم الملوك والأمم...: (( الله، ابتعثنا، لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ...!!! )).

ولقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فعاد الدين غريباً كما بدأ، وعاد العرب إلى ما كانوا عليه من الضعف والتشرذم والجهل والغثائية والعبثية والعدمية ...!!! وارتكسوا في قماءات ( داحس والغبراء ) المقززة، ولكن بصورة ( ماتش كرة القدم ) هذه المرّة ...!!! وهاهم اليهود القتلة، والأمريكان الظلمة، يعاونهم ويشد من أزرهم بعض المنافقين الجبناء، يعيثون في هذه الأمة خراباً وتدميراً، ويمارسون علينا من الظلم والقهر والإذلال ما لا يصبر عليه بشر في كل من فلسطين والعراق وبلاد الأفغان، وغيرها من البلاد العربية والإسلامية ... ونحن مشغولون بكرة القدم ...!!!

إنه لعار وشنار على أمة يزيد تعداد سكانها على مليار ونصف مليار نسمة، وتتوسط الدنيا، وتمتلك ما يزيد على نصف موارد البشرية، بما فيها النفط، وتستحوذ على أكبر سوق اقتصادية في العالم، ولديها من القوات المسلّحة ما يفوق تعداد الصهاينة في العالم، ومع ذلك تتحكم فيها حفنة من الصهاينة اليهود، فتذيقها كؤوس الذل والهوان صباح مساء، ومنذ ما يزيد على نصف قرن، فتعتدي بوحشية الذئاب على غزة وتحاصرها، وتضرب في جنوب لبنان، وتغتال من تريد في قلب عواصمنا العربية العتيدة، كدمشق ودبيّ وغيرهما، دون أن تتحرك فينا ذرّة من نخوة الرجال، ولا خردلة من عقيدة الإيمان، ولا بقية من شهامة العرب، وكيف تتحرّك إذا كنّا مشغولين، حدّ الهوس والجنون بكرة القدم.!

عار وشنار ودمار على الذين تسلّقوا على أكتافنا، وامتصوا دماءنا، وسمنوا في مطابخنا، على أمل أن يحفظوا كرامتنا، ويدافعوا عن حقوقنا، وينتصروا لمظلومنا، ومع ذلك تُحتل بلادنا، وتُدمّر مدننا، وتُنتهك مقدّساتنا، ويُحاصر إخواننا، وتُسبى حرائرنا، وتُنهب ثرواتنا، ويُغتال قادة مجاهدينا، ويفعل بنا الأمريكان الظلمة، والصهاينة القتلة، وعملاؤهم الأوباش، من الظلم والقهر والإذلال ما يهتز له عرش الرحمن، دون أن تهتز شعرة واحدة في شواربهم، وكيف تهتزّ إذا كانوا عديمي الشوارب.!؟

عار وشنار وقتار، على جيوش قدّمنا لتشكيلها أحبَّ أبنائنا وإخواننا، وبذلنا لإعدادها وتسليحها خيرة أموالنا ومدّخراتنا، على أمل أن تحفظ كرامتنا، وتصون أعراضنا، وتحمي مقدّساتنا، وهاهي فلسطيننا الحبيبة، وأخصّ غزّة العزّة، تُذبح من الوريد إلى الوريد، وعراقنا الغالي يهان ويُستباح، كما ذُبحت واستبيحت من قبل أفغانستان وغيرها، والبقيّة تتبع – فقائمة الإرهاب عندهم طويلة، والدول المارقة بزعمهم كثيرة - ومع ذلك فلا تهتزّ شعرة في شوارب تلك الجحافل والفيالق الجرارة، ولا ندري والله لمَ أُعدّت – إذاً – تلك الفيالق والجيوش، وما مسوّ غ علفها وتسمينها وتسليحها بالمليارات .!!!؟

يا لعار العروبة، ويا لعار الإسلام .!!! أن تسحق حفنة من اليهود الجبناء الأوباش، أمةَ الأنبياء والحضارات والبطولات والفتوحات والتضحيات، وأن تتسلط مجموعة من شذّاذ الآفاق ولصوص التاريخ، وأبناء القردة والخنازير على كل تلك الجموع الهائلة من العرب والمسلمين التي لو بصقت عليهم لأغرقتهم، ولكنها مشغولة بماتش كرة القدم.!!! يا لعار التاريخ .!!! ويا لذلّ الزمان .!!! ويا لصوت القعقاع وسعد وخالد والمثنّى، ولا مثنّى للخيل اليوم .!! اللهم، أيّ زمان هذا الذي أحييتنا فيه، وأي عصر هذا الذي أبقيتنا إليه، وأي قرن هذا الذي أريتنا ذلّه.!؟

يا ربّ .. من يطق رؤية استباحة المقدّسات، وهتك الحرمات، وسحق المخيّمات، وبقر بطون الحوامل، وتكسير عظام الأطفال، وسحل الشباب في الشوارع، وهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها من الأطفال والنساء، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار، وقصف الجوامع والكنائس، وتدمير المستشفيات، وحصار المدن، وتعطيل سيارات الإسعاف، ومنع إخلاء الجرحى من تحت الأنقاض، ولا حتى الجثث المتعفّنة من الشوارع والأزقة والبيوت المهدّمة.!!!؟ من يطق رؤية ذلك يومياً دون أن يصاب بجلطة في دماغه، أو تمزّق في قلبه، أو تفتت في كبده، أو قرحة في أحشائه، أو تنخّر في عظامه، أو شلل في أعصابه .!!!؟

 وفي الوقت الذي يحاصر فيه الكيان الصهيوني غزّة المجاهدة، فيقطع عنها الماء والغذاء والدواء وحليب الأطفال حذّ الموت ... ويهدد لبنان ... وتطال ذراع موساده الغادرة رموز وقادة الجهاد العربي في دبي وغيرها ... تكون أمتنا مشغولة بماتش كرة القدم بين مصر والجزائر ...!!!

يا ربّ .. ولكن الأمل بالله كبير، فالأمة لم تمت بفضل الله بالرغم من كل مظاهر الضعف البادية علىيها... ولقد وعدنا الله تعالى، ووعده الحق، بالنصر الناجز والعزة والتمكين، ما استمسكنا بقرآننا ومنهج نبينا ... بسم الله الرحمن الرحيم (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً .. وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) (النور:55) بسم الله الرحمن الرحيم (( ويسألونك متى هو .!؟ قل : عسى أن يكون قريباً )) صدق الله العظيم

 

التعليقات

5 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق