صراع مكتوم: أمريكا والإخوان والحكومة المصرية

نشرت: - 02:02 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 5723

media//مصر-وأمريكا-والإخوان.jpg

حسن الرشيدي

[email protected]

مفكرة الإسلام : يمثل الصراع الثلاثي الذي يدور بين الولايات المتحدة والحكومة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين جزءا هاما من المشهد الحالي في منطقة الشرق الأوسط وليس من المبالغة في شيء اعتبار أنه على ضوء نتائجه سيتحدد بنسبة كبيرة شكل المنطقة القادم.

ويدخل كل طرف هذا الصراع بأدوات وأسلحة ووسائل وخطط تكتيكية  ومن هنا يمكن أن نعتبر أن البرنامج الذي طرحه الإخوان أداة جديدة ألقيت في أرض هذه المعركة حيث يؤكد عبد المنعم أبو الفتوح في حواره مع إسلام أون لاين عندما سئل  هل ترى أن الوقت مناسب لطرح برنامج حزبي للجماعة؟ فأجاب: البرنامج ليس له علاقة بتلك الظروف كما أن الإعلان عنه مرهون بالانتهاء منه وليس بحالة النظام. ويوضح أكثر في حواره مع صحيفة الدستور حيث يجيب على نفس السؤال قائلا إنه  تصور مبدئي لبرنامج حزب يمكن الإعلان عنه في حال تغير الظروف المانعة لنا الآن من الإعلان عنه.

أي أن الدافع للإعلان عن البرنامج هو مسعى الإخوان لإعلان حزب وفي انتظار موافقة النظام عليه وهذا ما لاحظه مراسل مجلة تايم الأمريكية في القاهرة سكوت ماكلويد حيث أكد  أن جماعة الإخوان المسلمين بدأت خلال العامين الماضيين في وضع برنامج سياسي لها في مسعي لكي تطور نفسها سياسيا ولكي تصبح حزبا قانونيا  ويضيف ماكلويد في مدونة الشرق الأوسط علي موقع المجلة أن العديد من المسودات للبرنامج ظهرت في الصحف وأظهرت المسودات الإخوان كحزب حديث وديمقراطي يسير علي خطي حزب العدالة والتنمية الإسلامي في تركيا العلمانية وكانت النظرة لبرنامج يروج للدولة المدنية وليس الدينية حيث إن المسلمين والأقباط مواطنون متساوون وهو ما بدا بعيدا عن الشعار الذي رفعته الجماعة عندما رشحت أعضاءها كمستقلين لانتخابات البرلمان في الثمانينيات وهو الإسلام هو الحل.

وتعكس تصريحات مراسل المجلة الأمريكية الاهتمام الأمريكي بمواقف الإخوان المسلمين ومن أدلة ذلك ما جاء في التقرير الأخير لمركز راند  حيث أشارت الدراسة التي نشرها المركز مؤخرا بعنوان ( وصفة أميركية جديدة لبناء شبكات الإسلاميين المعتدلين) إلى بعض الملامح الرئيسية التي يمكن من خلالها تحديد ماهيِّة الإسلاميين المعتدلين ومنها:

1. القبول بالديمقراطية الغربية التي تعني رفض فكرة الدولة الإسلامية التي يتحكم بها رجال الدين فالمسلم المعتدل يؤمن بأن لا أحد يملك الحديث نيابة عن الله.

2. القبول بالمصادر غير المتعصبة في تشريع القوانين وأن أهم فرق بين المسلمين المعتدلين والمتشددين هو في الموقف من مسألة تطبيق الشريعة فالتفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع المبادئ الديمقراطية ولا تحترم حقوق الإنسان.

3. احترام حقوق النساء والأقليات الدينية.

4. نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع.

وذكرت الدراسة جماعة الإخوان المسلمين بالاسم واتهمتها بأنها لا تهتم بهذه الأشياء فكان رد الجماعة عليها بهذا البرنامج. الذي يلاحظ عليه أنه ركز على موضوع المرأة والأقباط واحترام الديمقراطية.

ومما يثبت هذا الكلام أيضا المذكرة التي وجهها مارك لينش  أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأمريكية  في العدد الأخير من دورية فورين بوليسي- التي تعد واحدة من أكثر المجلات تأثيرا على السياسية الخارجية الأمريكية - للمرشد العام محمد مهدي عاكف فقد كانت بمثابة وصفة أمريكية  كي يتمكن من الحوار مع الولايات المتحدة وأشار إلى المذكرة صحيفة المصري اليوم و ونصح لينش مهدي عاكف بضرورة إتباع إستراتيجية حذرة في الاتصال والتخاطب مع الولايات المتحدة وركز الكاتب على عدة نقاط خلاصتها:

-  ضرورة الابتعاد عن الغموض ونصح الكاتب المرشد بضرورة الوضوح فيما يتعلق بمعالم السياسة الخارجية للإخوان المسلمين وموقفهم من هجمات حماس على إسرائيل. ونبه الكاتب مرشد الإخوان المسلمين إلى ما يجمع بين جماعة المرشد والولايات المتحدة من أهداف تتمحور حول نشر الديمقراطية ومكافحة الحركات المتطرفة الإسلامية.

- التحدث عن ومع الولايات المتحدة باللغة العربية حيث يركز الأمريكيون أكثر على ما تقوله باللغة العربية. وأكد الكاتب على ضرورة عدم وقوع الإخوان في فخ يظهرها كمن يدير ظهره للعملية الديمقراطية كما يريد البعض في الولايات المتحدة وتجربة نجاح حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية وعدم اعتراف الغرب بها لا يجب أن تكون ذريعة لرفض العملية الديمقراطية السلمية.

- تطبيق الديمقراطية داخل جماعة الإخوان المسلمين والسماح بهامش أكبر من الحريات وتشجيع جيل الشباب داخل الجماعة على التعبير الحر عن أرائهم.

وقد حاورت دورية واشنطون الكاتب الأمريكي لينش وسألته من سيهتم بالاستماع للإخوان المسلمين في واشنطن؟ فأجاب الكثير في واشنطن مهتمون بقدرة الإخوان المسلمين على أن تصبح قوة إسلامية معتدلة لسببين أولهما: محاربة الحركات الراديكالية المتطرفة ثانيهما أنها تمثل أكبر حزب معارض لا يمكن تجاهله في وجود ديمقراطية حقيقية. وذلك على الرغم من أن الكثير من الخبراء في واشنطن مستمرون في رؤية جماعة الإخوان المسلمين كجماعة تساند الإرهاب أو تتعاطف معه. لذلك ستلقي هذه النظرية كثيرا من المقاومة.

ومن المدهش أن الإخوان قد تجاوبوا  مع لينش علنا وبادلوه الرسائل فقد نشرت دورية فورين بوليسي الأمريكية في عددها الأخير رد جماعة الإخوان المسلمين علي المذكرة التي وجهتها لمهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين ونشرتها في عددها السابق تحت عنوان كيف تتحدث إلي الولايات المتحدة الأمريكي.

وجاء رد الإخوان علي لسان أحمد فهمي الذي وصفته المجلة بأنه أحد أعضاء الجماعة البارزين رئيس موقع إخوان ويب وهو موقع الجماعة باللغة الإنجليزية علي شبكة الإنترنت حيث أكد فهمي أن الحوار بين الإسلاميين المعتدلين وبقية العالم يمثل تهديدا لوجود النظام المصري السلطوي الحاكم وأن اهتمام الغرب الرئيسي يجب أن يكون علي التأثير السلبي للقمع الذي تمارسه الحكومة علي المعتدلين وعلي النظام الديمقراطي في الشرق الأوسط.

وقال فهمي في رده علي المذكرة التي كتبها مارك لينش إن النظام المصري يسعي لمساندة المجتمع الدولي في قمعه جماعة الإخوان المسلمين من خلال تصوير الجماعة كمتطرفين وإرهابيين أو كمطالبين لحكم ديني مشيرا إلي أن حوار أعضاء الجماعة مع بقية العالم يمثل تهديدا لوجود النظام المصري الأمر الذي «يدفع النظام لمحاولة منع مثل هذه الحوارات.

وأضاف فهمي: النظام يلجأ لأساليب غير قانونية ويشارك في حملة تشويه خادعة ضد الحركة وقيادتها» لضمان منع قيام مثل هذه الحوارات مستشهدا بسجن خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام للإخوان المسلمين.

وأكد فهمي أن بعض أعضاء الجماعة أكثر اعتدالا وواقعية وتسامحا مع الآخرين مشيرا إلي أنه بات أكثر وضوحا في العامين الأخيرين أن النظام المصري اتخذ موقفا لا يرحم تجاه هؤلاء القادة المعتدلين.

وطالب فهمي بموقف أقوي من الولايات المتحدة تجاه الاعتداءات المستمرة ضد حقوق الإنسان في مصر سواء كانت ضد الإسلاميين أو مصريين آخرين.

واختلف فهمي مع لينش بشأن تركيز اهتمام المثقفين وصناع القرار الغربيين علي إيمان الإخوان بالعملية الديمقراطية موضحا أن إيمانهم بالعملية الديمقراطية أمر أيديولوجي وليس تنفيذيا مشيرا إلي أن القلق الحقيقي يجب أن ينصب علي «القمع الذي تمارسه الحكومة المصرية لأن جماعة الإخوان المسلمين لن تتمكن من التغلب علي الأيديولوجيات المتطرفة إلا في جو من الحرية واتفق الباحث في شؤون المواطنة جوشوا ستاتشر مع فهمي في الرأي مشيرا إلي أن السؤال الذي يجب أن يوجه للأمريكيين هو: لماذا نشك في التزام الإخوان المسلمين بعدم العنف ولا نشك في شهية الحكومة المصرية للقمع؟.

وقال ستاتشر وهو زميل جامعة سيراكوزي بالولايات المتحدة إن الولايات المتحدة تعطي القاهرة مليارات الدولارات من الدعم العسكري وفي الوقت نفسه تلتزم الخارجية الأمريكية الصمت عندما يعتقل أعضاء الجماعة دون تهم ويعذبون ويعرضون علي محاكم عسكرية. وأوضح ستاتشر ضمن خطابات نشرتها المجلة الأمريكية تحت عنوان مشاركة الإخوان المسلمين الحوار أن الحوار سيكون بناءً أكثر إذا ما ركز علي تواطؤ الولايات المتحدة في قمع المتظاهرين المدنيين والمعارضة المحلية المسالمة في مصر مشيرا إلي أن إحدى الخطوات تجاه كبح العنف في مصر هي التوقف عن المشاركة فيه.

واتفق لينش الذي يكتب في العديد من الدوريات والمجلات السياسية وألف كتابين عن الشرق الأوسط في تعليقه علي الخطابات الثلاثة مع ما قاله فهمي وستاتشر من أن القمع الذي تمارسه الحكومة المصرية يجب أن يكون محور النقاش ولكنه شدد علي رغبة الناس في معرفة ما قد يفعله الإخوان إذا ما وصلوا للحكم معربا عن قلقه تجاه مسودة برنامج الإخوان التي نشرت حديثا التي وصفها بأنها كانت صادمة للكثيرين.

أي أن البرنامج الحالي المعلن ليس كافيا أمريكيا.

كما نلاحظ أن ردود الفعل الأمريكية الكثيرة تعكس محاولة تقارب بين الإخوان والولايات المتحدة وهذا يثبت أن الرسالة من وراء إعلان الإخوان هذا البرنامج  هي موجهة للولايات المتحدة في الأساس فالحكومة المصرية تلاحق الإخوان وتصطدم بهم هذه الأيام فكيف يتوقعون أن تسمح لهم بحزب؟

فعين الإخوان على أمريكا باعتبارها القوة العالمية الأولى وصاحبة التأثير  على مواقف النظام المصري.

ولكن يجب إدراك أن التركيبة السياسية المصرية الحالية قد  تتنازل – نتيجة الضغوط الأمريكية- في مسائل قد تعلق بالسياسة الخارجية أو مسائل داخلية ولكنها عندما يتعلق الأمر بالصراع على الحكم فإنها تتشبث به وتدافع عنه بشراسة وهذا ما يفسر حملات القمع الأخيرة ضد قيادات الإخوان.

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق