إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا
باكستان والحكم المضطرب
مفكرة الإسلام:
علي صلاح
تشهد باكستان حالة متصاعدة من الاضطراب على الصعيد السياسي والأمني وقد ازدادت هذه الحالة حدة في الفترة الأخيرة؛ إثر تصاعد هجمات الجيش على عناصر حركة طالبان في منطقة القبائل المحاذية لأفغانستان؛ مما أدى إلى نزوح أكثر من مليون من المدنيين وسط أزمة إنسانية حرجة, مع تنامي التفجيرات التي تصيب معظم أنحاء البلاد وتسفر عن مقتل عسكريين ومسئولين ومدنيين, ووسط هذا كله هناك حركة قومية ببلوشستان الغنية بالنفط تهدد بالانفصال وتشن هجمات من حين لآخر, ثم تأتي ضربة المحكمة العليا التي ألغت قرار العفو عن الرئيس الباكستاني آصف زرداري, وعدد كبير من المسئولين الحاليين والذين أحاطت بهم الاتهامات في وقت سابق في قضايا فساد لتعصف بشرعية الحكم وتزيد من عوامل الاضطراب.
زرداري وأزمة الفساد:
في صفقة مع نظام برويز مشرف تمكن الرئيس الباكستاني الحالي آصف زرداري زوج رئيسة الوزراء الراحلة بينظير بوتو هو وعدد كبير من المسئولين من الحصول على إعفاء من المحاكمة بشأن اتهامات كانت تلاحقهم بالفساد وكانت هذه الاتهامات وراء رحيل زرداري وبينظير عن البلاد والمكوث في المنفى لعدة سنوات إلا أن توتر الأوضاع في البلاد وسوء إدارة برويز مشرف ودخوله في صراعات عنيفة سياسية وأمنية أدت إلى قلق أمريكي وضغوط أسفرت عن صفقة عودة بينظير وزوجها من أجل تسكين الأوضاع, ولم تلبث بينظير أن قتلت في هجوم تفجيري وتمكن زوجها من استغلال تعاطف المؤيدين لحزب الشعب الذي كانت تتزعمه زوجته وتحالف مع حزب الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف واستطاع الفوز في الانتخابات ومن ثم الوصول للرئاسة بعد أن تخلص من نواز وحزبه, إلا أن المحكمة العلية ورئيسها افتخار تشودري الذي عاد إلى منصبه بعد عزله في عهد مشرف والمعروف عنه مكافحته للفساد, أصدر قرارا بإلغاء هذا العفو وتجديد الاتهامات لزرداري وعدد كبير من زملائه الذين أصبحوا من كبار المسئولين وعلى رأسهم وزير الدفاع ووزير الداخلية والذي صدر بحقه مذكرة اعتقال, في حين منع وزير الدفاع من السفر إلى الصين وسط أنباء راجت عن حدوث انقلاب في البلاد, وهو ما يؤكد أن البلاد تعيش أزمة حكم حقيقية تحت إدارة نظام زرداري والذي لا يتمتع بثقة الشعب خصوصا بعد تدهور الأحوال السياسية والأمنية والاقتصادية منذ وصوله للحكم, كما أن الانقلابات العسكرية ليست بعيدة عن المشهد السياسي الباكستاني منذ قيام الدولة, وتعد المؤسسة العسكرية من أكثر المؤسسات تأثيرا في البلاد.
الصراع مع طالبان:
سعى زرداري في بداية حكمه لتهدئة الأجواء مع عناصر حركة طالبان الباكستانية والذين يتمتعون بشعبية جارفة في منطقة القبائل ويعارضون الهجمات الأمريكية على البلاد كما يعارضون سياسة التحالف مع الاحتلال في أفغانستان والدعم الذي تقدمه باكستان لقواته هناك, وجدد زرداري اتفاق لوقف إطلاق النار مع الحركة لكن الولايات المتحدة انتقدت الاتفاق بشدة وأصرت على توجيه الجيش الباكستاني لضربة عسكرية للحركة بغض النظر عن أي اعتبارات تتعلق بالأمن القومي ووضع المدنيين والخسائر التي ستلحق بالمنطقة التي تسيطر طالبان على أجزاء كبيرة منها وبالفعل بدأ الجيش هجوما شرسا ردت عليه الحركة بتصعيد هجماتها في جميع أنحاء البلاد في صورة تفجيرات استهدفت مناطق عسكرية وحكومية حساسة أدت إلى سقوط المئات من القتلى والجرحى, بالإضافة لهجرة أكثر من مليون شخص من مناطقهم على الحدود مع أفغانستان إلى مناطق أخرى بعيدة عن القتال وأكثر أمنا في أوضاع إنسانية شديدة الصعوبة, في نفس الوقت واصلت الطائرات الأمريكية قصفها للمنطقة وسط سخط شعبي بالغ, كما قامت بتقديم الدعم للجيش الباكستاني بتوفير معلومات عن تحركات عناصر الحركة يتم رصدها بواسطة طائراتها.
دعوات انفصالية ببلوشستان:
يشكّل إقليم بلوشستان، الذي يقع على طول الحدود الغربية لباكستان مع إيران والحدود الشمالية الغربية مع أفغانستان، أكثر من 40% من مساحة الأراضي الباكستانية لكنه يضم أقل من خمسة في المائة من سكانها. ويبلغ عدد البلوش الأصليين، الذين ينحدرون من قبائل رُحّل، نحو خمسة ملايين ويؤكد هؤلاء أنهم عانوا من التهميش وسوء المعاملة لسنوات، لا سيما على أيدي الجيش الباكستاني. ويشعر البلوش بأنهم في معزل عن الاستفادة بعائدات الغاز الطبيعي والنفط الذي تنتجه أرضهم بكميات كبيرة. وقامت أجيال متعاقبة من البلوش بشن انقلابات مسلحة ضد الحكم الباكستاني- في عامي 1948 و1953، وخلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وقد تصاعدات الدعوات الانفصالية الآن بشكل كبير. يقول سيليغ هاريسون، مدير مركز السياسة الدولية في واشنطن:إن القومية البلوشية ذات قاعدة أوسع، وظاهرة أكثر خطورةً من أي وقت مضى. ازدادت أبعاد نضال البلوش تعقيداً بسبب الجغرافيا السياسية للمنطقة. فنحو مليون من البلوش الإثنيين يعيشون على الجانب الآخر من الحدود في إيران، حيث انتفضوا أيضاً منذ زمن طويل ضد دولة قامعة مطالبين بحريات أكبر. خلال أعنف عملية قمع شنّتها باكستان ضد الانفصاليين البلوش في السبعينيات- حين قُتل آلاف المدنيين على ما يُفترَض- قدّمت إيران الدعم اللوجيستي لباكستان، بما في ذلك المروحيات. كان البلدان متحدين آنذاك بموجب حلف بغداد الذي قادته الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، لكن بعد قيام ثورة الخميني في إيران في عام 1979 تغيّرت العلاقات في ظل تخوّف المسئولين الشيعة في إيران على نحو متزايد من نظرائهم السُنّة في القيادة العسكرية الباكستانية. من جهته يقول المحلل الباكستاني سمير للواني: "ثمّة توتر متأصل (بين البلدين) قائم على خياراتهما الاستراتيجية السابقة. في ما يتعلق ببلوشستان، تحول التعاون القديم العهد إلى قلّة ثقة متبادلة أكثر تيقظاً. في 18 أكتوبر، هاجمت جماعة جندالله، ميليشيا من البلوش متمركزة في باكستان، مدينة بيشين الواقعة على الحدود الإيرانية، موديةً بحياة 14 شخصاً بما في ذلك عدد من الشخصيات البارزة في الحرس الثوري الإيراني. وبعد أسبوع، اعتقلت القوات الباكستانية 11 عميلاً إيرانياً تسلّلوا عبر الحدود، على الأرجح في مهمة تستهدف جندالله. أُطلق سراحهم في النهاية، لكن هذه الحوادث سلطت الضوء على مدى القلق الذي تشكّله بلوشستان في الشؤون الداخلية لطهران وإسلام أباد- وعلاقات الواحدة بالأخرى. قد تزداد هذه التشنّجات في المستقبل بينما توسع القوى الإقليمية الأخرى مصالحها في بلوشستان أيضاً، فوجود نحو 19 تريليون قدم مكعّب من الغاز الطبيعي في هذا الإقليم عزز احتمال إجراء استثمارات خارجية كبيرة، لكنه فاقم مشاعر القلق لدى البلوش من العزلة.
التدخل الغربي والسلاح النووي:
مما يفاقم من صعوبة الأمور في باكستان وجودها بين إيران الشيعية التي تتربص بها وتقلق بشدة من نمو الحركات الإسلامية السنية فيها من جهة, وأفغانستان التي يعيش على أرضها عشرات الآلاف من الجنود الغربيين في معركة يعتبرونها مصيرية لأمنهم ضد حركة طالبان.. والمطلوب من النظام الباكستاني أن يدعم الغرب في هذه الحرب الخاسرة والمستمرة منذ 8 سنوات, إلى جانب الصراع المصيري مع الجارة الأخرى وهي الهند والي ما زالت تحتل جزءا كبيرا من كشمير وترفض الجلاء عنها وتتهم إسلام آباد بدعم المقاومة فيها؛ الأمر الذي يزيد من التوتر بين البلدين, أضف إلى ذلك المخاوف الغربية من وقوع السلاح النووي الباكستاني في أيدي الإسلاميين رغم التصريحات الإعلامية التي تؤكد اطمئنانهم على حمايته, كل ذلك يشكل تحديا ضخما لهذه البلد الأكبر من حيث تعداد السكان في العالم الإسلامي والتي تمر الآن بمنعطف ضخم في ظل ظروف إقليمية وعالمية حرجة قد تؤثر لسنوات قادمة على مستقبلها.