السبت 23 من محرم1431هـ 9-1-2010م الساعة 03:35 م مكة المكرمة 12:35 م جرينتش
RSS

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

Bookmark and Share
حادثة ديترويت والغموض المريب

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

حادثة ديترويت والغموض المريب

عـصـام زيـدان

Essam_zedan30@hotmail.com

 

مفكرة الإسلام: زاوية التناول الغالبة في محاولة تفجير طائرة الركاب الأمريكية المغادرة من مطار امستردام إلى ديترويت في 25 ديسمبر الماضي، والتي اتهم فيها شاب نيجيري، ركزت على جانين اثنين بالغي الأهمية، ولكنها أغفلت جانبا ثالثا، ما زال يكتنفه غموض مريب.

نبدأ بالجانبين الأولين، حيث جرى التركيز أولا على بعث جديد، أو نوبة يقظة لتنظيم القاعدة، وتصميمها على منهجها الذي يهدف إلى توجيه ضربات موجعة للولايات المتحدة، توقع عددا كبيرا من القتلى، وتحدث أكبر ضجة إعلامية ممكنة.

وإذا ما صدقت زاوية الرؤية هذه، وأن القاعدة هي بالفعل من خطط لهذا الهجوم واعد منفذه ووجهه، فإن لذلك دلالات متعددة، لعل أهمها أن حرب الولايات المتحدة في أفغانستان، أصبحت حربا عشوائية لا طائل منها، ولا هدف من ورائها، لان القاعدة، وعلى رغم من مرور أكثر من ثماني سنوات على بدء الحرب في 2001، ما زالت قادرة على التخطيط لهجمات على هذا القدر من الخطورة، وتخطى كافة أجهزة الاستخبارات الأمريكية.

بل سنجد أن عناصر التنظيم، وبالتعاون مع حركة طالبان، تمكنت من اختراق هذه الأجهزة، وتوجيه لطمة قوية لها في أفغانستان، حينما قتلت ثمانية من أفراد الاستخبارات في قاعدة محصنة تستخدمها هذه الأجهزة جنوب شرقي أفغانستان نهاية شهر ديسمبر الماضي، ما يعنى أن يدها طالت اعتي أجهزة الاستخبارات في العالم وأقواها.

كما أن القاعدة، دللت في حادثتها الأخيرة الفاشلة، على قدرتهامجددا على اختراق أمن المطارات العالمية، والوصول مجددا إلى سماء الولايات المتحدة بعد قرابة تسع سنوات من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو ما يعنى ببساطة، إعلاميا على الأقل، وأمام الرأي العام الأمريكي، أنه لا شئ يستعصى على التنظيم، وأنه غير قابل للاستئصال أو التطويع، وأن كافة الإجراءات الأمنية أمامه لا تساوي شيئا ولا تجلب للأمريكيين أمنا، وهو الجانب النفسي والإعلامي من حرب القاعدة ضد الولايات المتحدة والغرب، والذي ما زالت تتفوق فيه على الميديا الأمريكية.

زاوية الرؤية الثانية كانت عن توطن وتمركز تنظيم القاعدة في اليمن، حيث خرجت منها في غضون عام واحد عمليتين شديدتي الخطورة، احدهما كانت محاولة اغتيال مساعد وزير الداخلية السعودي للشئون الأمنية، الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، في سبتمبر الماضي، والثانية محاولة تفجير طائرة الركاب الأمريكية، في شهر ديسمبر، حيث تم إعداد منفذ الهجوم الفاشل وتجنيده وإعداده، في الحالتين، في اليمن.

ولهذه الزاوية أيضا دلالات هامة، في مقدمتها أن أفغانستان أو باكستان ما عادت الحاضنة الأم لهذا التنظيم وعناصره، وأن مركز الثقل التخطيطي والتنفيذي انتقل من إسلام أباد وكابول إلى صنعاء، وهو ما يعنى، مجددا أن الولايات المتحدة تقود الآن المعركة الغلط في جبال تورا بوار. 

ومن الدلالات، أيضا، أن استراتيجية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لكسب الحرب في أفغانستان والقضاء على "ما تبقى من عناصر تنظيم القاعدة"، مجرد أماني ومحض أوهام، لأن عناصر التأثير توطنت في اليمن، وكسبت المعركة الاستراتيجية قبل أن تبدأ، وقبل أن تحط القوات الأمريكية التي يعول عليها القضاء على "التمرد" رحالها في أفغانستان.

ودلالة أخرى، أن القاعدة، ربما عن عمد، تريد استدراج الولايات المتحدة إلى حرب جديدة، وجبهة وعرة في اليمن، لتزيد من حدة استنزافها ماليا وعسكريا، وقبل أن تنتهي جبهة الصراع في أفغانستان، وهكذا تجد الولايات المتحدة نفسها أمام جبهات صراع متعددة، وغير قابلة للإغلاق.

وصحيح أن تنظيم القاعدة يتغاضى عن الآثار السلبية بالغة الخطورة الكامنة وراء هذا الحراك، من أفغانستان، إلى باكستان، إلى اليمن والصومال، والعراق وغيرهم، إلا أنه يقود المعركة، وله اليد العليا فيها على القوات الأمريكية، حتى الآن.

زاوية الرؤية الثالثة، والغائبة عن التحليل، عمدا أو سهوا، هي عن دور الاستخبارات الأمريكية في عملية ديترويت..

نريد أن نسأل سؤالا مباشرا: هل علمت الاستخبارات الأمريكية بالتخطيط للحادثة، وهل مررتها لأغراض استخباراتية؟

ثمة ما يدل على الشق الأول من السؤال ويجيب عنه بصورة مباشرة لا تحتمل تأويلا، حيث أشار المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني إلى أن عمر فاروق عبد المطلب ـ المتهم بمحاولة تفجير طائرة ديترويت ـ ورد اسمه في ملف الأشخاص المقيمين في بريطانيا الذين كانوا على اتصال بأئمة مسلمين "متطرفين"، وكان الملف قد أرسل إلى السلطات الأمريكية عام 2008.

كما أن والد عمر فاروق عبد المطلب نفسه كان حذر الاستخبارات المركزية الأمريكية من نوايا ابنه التي وصفها بالعدوانية.

واعترفت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بأنها كانت تملك معلومات مهمة عن النيجيري المتهم، وقال المتحدث باسمها في بيان، ورد على موقع الوكالة، إن مسئولا بها التقى في نوفمبر بوالد عبد المطلب الذي أبلغ السفارة الأمريكية في نيجيريا عن تخوفه من تطرف نجله، وأكد أن وزارة الخارجية أبلغت وكالات الاستخبارات بهذه المعلومات.

وقال جورج ليتل أنه "في نوفمبر أيضا عملنا مع السفارة لضمان أن عبد المطلب موضوع على قاعدة البيانات الحكومية الخاصة بالإرهاب، بما في ذلك الإشارة لإمكانية وجود ارتباطات متطرفة له باليمن".

أضف إلى ذلك أن عدة تقارير إعلامية أمريكية كشفت أن الولايات المتحدة كانت قد علمت باستعدادات "نيجيري في اليمن"، تحديدا، لشن هجوم على أراضيها، حتى قبل أسابيع من محاولة إسقاط طائرة الركاب فوق ديترويت، وذكرت محطة "إيه بي سي" التلفزيونية الإخبارية، وصحيفة نيويورك تايمز الأمريكيتين أن ثمة معلومات استخباراتية كانت بالفعل متوافرة بهذا الشأن.

وذكرت شبكة "سي بي أس" نقلا عن مسئول في الاستخبارات الأمريكية أن الأخيرة كانت تعلم أن تنظيم القاعدة يحضر لـ"مفاجأة بمناسبة الميلاد".وقال المسئول الكبير في الاستخبارات للشبكة، إن وكالات الاستخبارات الأمريكية "كانت تعرف أن القاعدة تحضر لمفاجأة بمناسبة عيد الميلاد"، مضيفا:"كنا على علم بهذا الأمر منذ أشهر عديدة".

كل هذه المعطيات تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الاستخبارات الأمريكية توافر لديها معلومات عن التوقيت، والشخص المنفذ، وهويته، ومصدر تجنيده، وهو ما يجعلنا نغير من هيكلية السؤال الذي طرحناه آنفا، لنقول:كيف يمكن السماح لشاب نيجيري، تدور حوله كل هذه الشبهات، وفي هذا التوقيت باستقلال طائرة ركاب وهو يحمل متفجرات، في اللحظة التي يصار إلى تفتيش العجائز والأطفال الرضع بالمطارات، ونزع حتى زجاجات الماء من بين أيديهم؟!

الإجابة الصريحة ربما تظل مجهولة لسنوات، ولكن مضمونها يبدو أنه قد عُلم جيدا، وهو يجيب ضمنا على الشق الثاني من سؤالنا الأول.