إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا
طالبان ..عندما تضرب في العمق!
محمد الزواوي
مفكرة الإسلام: يمثل هجوم اليوم الذي شنته حركة طالبان نقلة نوعية في عمليات الحركة؛ حيث لم يكن هجومًا كأي هجوم شنته في السابق، حيث تميز بالجرأة وبالتخطيط وبالمباغتة، بعد أن استهدف قلب العاصمة الأفغانية كابول ومعها قلب نظام الحكم الذي يترأسه كرزاي برعاية أمريكية غربية.
فقد استهدفت حركة طالبان القصر الجمهوري الأفغاني، الذي يفترض أن يكون أكثر البقاع تحصينًا في أفغانستان كلها، بل إن التوقيت ذاته يتطلب حماية مضاعفة للقصر الجمهوري؛ حيث كان من المقرر أن يشهد تنصيب أربع عشر وزيرًا جديدًا في حكومة كرزاي الموالية للغرب يؤدون القسم الدستورية، وكل تلك الأسباب كانت كفيلة بتشديد الرقابة الأمنية على العاصمة وعلى المراكز الحيوية في كابول.
إلا أن هجوم طالبان اتسم بالجرأة وبالمباغتة؛ حيث قام عشرون مقاتلاً من الحركة دفعة واحدة باستهداف القصر الجمهوري بقذائف الآر بي جي وبالقنابل اليدوية، ثم نقلوا هجماتهم بعد ذلك إلى فندق سيرينا الفاخر الوحيد في المدينة من فئة الخمسة نجوم، والذي يفترض أنه يأوي كبار الزوار للعاصمة، بالإضافة إلى استهدافهم لوزارتي التعليم والمالية والبنك المركزي، وكلها تعد أهدافًا حيوية واستراتيجية للحركة، ومفاصل هامة لحكومة كرزاي التي فشلت في تأمينها.
إن قدرة طالبان على الدخول إلى عمق كابول بأسلحة آر بي جي وبقنابل يدوية يعد مؤشرًا جليًا على نفوذ تلك الحركة التي لا تزال تتمتع بشعبية كبيرة بين أوساط الأفغان، كما يعد الهجوم مؤشرًا على قدرة طالبان على استهداف أي مكان في البلاد، إذا كانت استطاعت الوصول إلى القصر الجمهوري ذاته. وإضافة إلى ذلك يعد هذا الهجوم مؤشرًا على مدى هشاشة المؤسسة الأمنية الأفغانية، التي فشلت في تأمين محيط القصر الجمهوري وما يجاوره من مؤسسات هامة وحيوية، وقدرة الحركة على الوصول إلى تلك البقعة يفيد بهشاشة التنسيق الأمني وعدم قدرته على تأمين محاور العاصمة والطرق المؤدية إلى القصر الجمهوري، وكلها من أبجديات العمل الأمني لتلك المؤسسات التي من المفترض أن من يشرف على تدريبها كبار رجال الجيش الأمريكي.
وهذا الحادث يكشف جليًا أيضًا مدى تخبط واشنطن في إدارة الملف الأمني في أفغانستان، حيث طفت على السطح قبل هجوم اليوم الكثير من الخلافات بين أفرع الوكالات الحكومية الأمريكية في كيفية التعامل مع أفغانستان، فقد أعلن أوباما أنه سيبدأ في سحب قواته من البلاد بحلول يوليو 2011، إلا أن وزير دفاعه روبرت جيتس يشير إلى أن الانسحاب سيكون "تدريجيًا وربما يتم تأجيله بعد ذلك التاريخ"، وقد أعلن أوباما أن خطته لن تتضمن بناء مؤسسات الدولة في أفغانستان، إلا أن الجنرال ديفيد بيترايوس يقول أن بناء مؤسسات الدولة هناك "أمر ضروري"؛ وأعلن جزيف بايدن نائب أوباما أن استراتيجية الولايات المتحدة ليست مكافحة التمرد، بينما يصر جنرالاته على أن ذلك هو عين ما يقومون به، وهو ما يشير إلى مدى التخبط الأمريكي في إطار سعي واشنطن إلى هدف وحيد في المرحلة الحالية: الخروج من أفغانستان وحفظ ماء الوجه.
ويأتي هجوم اليوم أيضًا بعد أيام من اختراق الاستشهادي أبو دجانة الخراساني (همام خليل أبو ملال البلوي) الأردني لصرح أكبر استخبارات في العالم وهي وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في أفغانستان، ليفجر نفسه وسط مجموعة من كبار ضباط الاستخبارات الأمريكية، ليقتل سبعة ويصيب ستة آخرين من كبار عملاء السي آي إيه، في ضربة قاسمة للولايات المتحدة ولعملياتها في المنطقة الأفغانية الباكستانية، وهو ما يؤشر إلى وجود اختراق أمني كبير من طالبان لمراكز التحكم والسيطرة الخاصة بالاحتلال الأمريكي ولحكومة كرزاي الموالية له.
وبدا من هذين الهجومين أن حركة طالبان استطاعت أن تصل إلى عمق أفغانستان وأن تقبض على أهم مفاصل حكومة كرزاي وأن تخترق الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي تستعد لمحاكاة تجربة ما يسمى بـ"الصحوات" العراقية في أفغانستان، بمحاولة دمج السكان المحليين في عملية مقاومة طالبان، هذا بالإضافة إلى استقطاب المقاتلين من ذوي الرتب المنخفضة والمتوسطة في الحركة، ويبدو أن طالبان كانت على علم بكل تلك الخطط، فقررت أن تسدد ضربة في مقتل إلى مخططات الاحتلال الأمريكي وحكومة كرزاي الموالية له.
فقد أعلن المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية وحيد عمر أن كرزاي سيقدم الخطة الجديدة للمصالحة مع "المتمردين" في اطار مؤتمر لندن حول مستقبل افغانستان المقرر في 28 يناير، وترمي الخطة الى حث متمردي “طالبان” كافة على القاء السلاح من قائدهم الى القادة الميدانيين الذين يقاتلون على الارض. وقال عمر: “في ما يتعلق بعملية المصالحة والدمج، احرزنا تقدما في الماضي لكنه لم يكن كافيا.. والخطط المقترحة هذه المرة تأخذ كل ذلك بعين الاعتبار، نريد الاستفادة من دروس الماضي واقتراح برنامج يسمح للذين سينضمون الينا بالتمتع بحياة مسالمة”.
وقال المبعوث الأميركي الخاص الى افغانستان وباكستان ريتشارد هولبروك ان الخطة الافغانية الجديدة لدمج الآلاف من متشددي “طالبان” في المجتمع لا يمكن ان تكون اسوأ من جهود سابقة (!!) وان واشنطن تدعمها. وأوضح أنه بحث القضية مع كرزاي وانه يعتقد أنها خطة جيدة، واضاف “نحن مستعدون لدعمها”.
ويبدو أن تلك الخطة تعد محاولة يائسة من الولايات المتحدة للخروج من أفغانستان بصورة مشرفة لحفظ ماء وجهها، بعد أن فشلت في السيطرة على البلاد أو حتى تحديد الأهداف التي يمكن من خلالها إعلان الانتصار؛ حيث تبدو الحرب هناك بلا نهاية وبلا معالم واضحة للانتصار بالنسبة للولايات المتحدة التي تعاني نزيفًا حادًا في الدماء والأموال على مر السنوات التي أعقبت غزوها للبلاد في أكتوبر عام 2001، والوضع ذاته ينطبق على حلفاء الولايات المتحدة المتورطون معها في أفغانستان.
فمع ضبابية الاستراتيجية الأمريكية وتخبط مسئولي واشنطن في تحديد الأهداف ومعالم الانتصار، ومع تزايد ضربات طالبان التي تزداد دقة وعمقًا يومًا بعد يوم، ومع هشاشة المؤسسات الأمنية الأفغانية التي نصبتها قوى التحالف، ومع فساد حكومة كرزاي الذي أزكم الأنوف، ومع تململ قوى التحالف من الأوضاع في أفغانستان، يبدو أن الولايات المتحدة ستدرك قريبًا أن مهمتها أصبحت مستحيلة في ذلك البلد الذي حطم الإمبراطوريتين البريطانية والسوفيتية من قبل، ولا يتبقى إلا أن تحشد طالبان نفوذها بين القبائل لكي تفسد تجربة محاكاة الصحوات، لتغلق جميع الطرق في وجه واشنطن في أفغانستان، وتترك لها طريقًا واحدًا لتسير فيه مجبرة: الانسحاب من البلاد.