الأحد 8 من صفر1431هـ 24-1-2010م الساعة 01:14 م مكة المكرمة 10:14 ص جرينتش
RSS

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

Bookmark and Share
لماذا أنزلت أمريكا قواتها بـ هايتي؟

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

لماذا أنزلت أمريكا قواتها بـ هايتي؟

عــصــام زيــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
لا يستطيع أحد أن يقلل من حجم الكارثة التي وقعت بدولة هايتي والتي دمرت عاصمة البلاد "بورت أو برانس", وأحالتها إلى عاصمة للموت, حيث يقدر عدد القتلى المتوقع بنحو مائتي ألف, في أغلب التقديرات, بخلاف المصابين والمشردين.
وإذا كان هذا هو الجانب الظاهر من المأساة المروعة التي لحقت بهايتي, فثمة جانب آخر, لا يكاد يُلتفت إليه, وهو ما يتعلق برد الفعل الولايات المتحدة على هذا الحدث, وطريقة تفاعلها معه تحت غطاء ما يسمى بالمساعدات والإغاثة الإنسانية.
فقد كشف الزلزال, بداية, عن فجوة عميقة بين هذه الدولة التي تحتل مرتبة متقدمة جدا في سلم الفقر العالمي,حيث يعيش ثمانون بالمئة من السكان تحت خط الفقر المحدد بدولارين يوميا, و54 بالمئة منهم في حالة فقر مدقع وهو ما يعنى أقل من دولار واحد يوميا, وبين جارتها الولايات المتحدة الأمريكية التي ما زالت تتربع على عرش الاقتصاد العالمي, حيث يعد اقتصادها أكبر اقتصاد وطني في العالم، ويقدر إجمالي ناتجها المحلى بنحو 14.3 تريليون دولار أمريكي, وهو ما يشكل 23 في المائة من المجموع العالمي, ولا تتعدى نسبة الفقر فيها حد الـ 12 بالمائة.
ولم يفضح الزلزال المدمر في هايتي القابعة في الفناء الخلفي للولايات المتحدة عن عمق الفجوة بينهما, في المجال الاقتصادي والغذائي فقط, وبل وكشف أيضا عن الكيفية التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى هذا الفناء المزعج.
فالولايات المتحدة لا تنظر إلى هذا الفناء الغارق في الفقر إلا نظرة سياسية مجردة, فهي تقطع الرؤؤس المعارضة وتغرس مكانها أخرى دونما يطرف لها عين للحال الاقتصادي والتردي المعيشي للسكان, وهو ما سبق وفعلته مع هايتي وبنما وغيرها, وحاولت فعله مع كوبا وفنزويلا. 
فالولايات المتحدة التي تصدع رأس العالم بالقيم والحضارة والإنسانية, لم تلقى بالا لدولة هايتي وشعبها الذي يئن من الأمراض والفقر والجوع والفساد, ولم تتدخل إلا تحت بريق السلطة التي قدر لها يوما أن تعارض توجهات البيت الأبيض, فأزيل هذا الصنم ووضع مكانه آخر أكثر ولاء للسيد الأبيض.
أما الجانب الثالث, الذي كشف عنه الزلزال فهو عن الكيفية التي تستغل بها الولايات المتحدة الحوادث الإنسانية والإغاثية وغيرها لتحقيق أغراضها العسكرية والسياسية, فبدلا من أن تمطر العاصمة الهايتية المنكوبة بالمساعدات الغذائية, راحت تسيطر على مطارها وتنزل أكثر من خمسة آلاف من جنود المارينز والمظليين في العاصمة وحول القصر الرئاسي.
وهذا ما دعا وزير الدولة الفرنسي "آلان جويانديت",والمكلف بملف الإغاثة الإنسانية، لتوضيح الدور الأمريكي المشبوه، واعترف بأنه كان متورطا في شجار مع قائد القوات الأمريكية ببرج مراقبة المطار بشأن مسار رحلة فرنسية للإجلاء, وقال "لابد من مساعدة هايتى وليس احتلالها".
واتفقت منظمة "أطباء بلا حدود" مع دعوات الوزير الفرنسي، وأشارت إلى أن مئات الأرواح كانت معرضة للخطر بعد أن حاولت وحدات تحكم أمريكية للملاحة الجوية إبعاد طائرات تحمل إمدادات طبية حيوية.
الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز دخل على الخط ذاته, وصرح بأن الولايات المتحدة استغلت كارثة الزلزال ذريعة لاحتلال هايتي, وقال: "كان يتعين أن ترسل الولايات المتحدة الأطباء والأدوية والمستشفيات الميدانية",.., إنهم يحتلون هايتي تحت ستار أعمال الإغاثة, و إلا ما مدى الحاجة لإرسال كل تلك القوات".
ورئيس نيكاراجو دانيال أورتيجا اتهم هو الآخر الولايات المتحدة بأنها استغلت الفوضى في هايتي لتثبيت قواتها العسكرية في هذا البلد واحتلاله.
وهذا الاستغلال, حقيقة, ليس بجديد على ساسة الولايات المتحدة, فالتاريخ الحديث والقريب جدا يشهد بأن الولايات المتحدة تستغل الحوادث وربما تخترعها وصولا إلى مرادها وأهدافها العسكرية في الاحتلال والغزو والتمدد الخارجي.
فأمريكا نراها قد استغلت من قبل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001, وهاجمت أفغانستان واحتلتها, بدعوى أن حركة طالبان لم تسلم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن, الذي اتهمته واشنطن بالتخطيط لهذا الهجوم الذي أصابها في عقر دارها.
وتكرر نفس المشهد, بسيناريو مختلف, حيث فبركت الاستخبارات الأمريكية أدلة حيازة العراق لأسلحة نووية وأسلحة دمار شامل, واتهمت الرئيس السابق صدام حسين بالتعاون مع تنظيم القاعدة, وروجت للعالم وخدعته بدعوى أن هذه الأسلحة وذاك التعاون يضر بأمن أمريكا والعالم.
وتحت هذه المبررات والدعاوى, التي اتضح زيفها, أنزلت أمريكا جنودها في العراق واحتلت العراق, وما زالت منذ العام 2003.
ونحن في العام 2010, نشهد نموذجا جديدا, وسيناريو احتلالي آخر تحت الغطاء الإنساني, حيث يجرى احتلال هايتي وإخضاعها للقوة العسكرية الأمريكية بمبرر الغطاء والغوث وحفظ الأمن في هذه العاصمة المنكوبة بزلزالها المدمر.
وهنا يبرز تساؤل هام, ما حاجة أمريكا أن تنزل قواتها في عاصمة هايتي وتحتل مطار البلاد على هذا النحو الاستغلالي؟!
نقول أن الولايات المتحدة ما زالت تشعر بقلق وامتعاض من النهج الثوري الاستقلالي لدول الفناء الخلفي بدء من كوبا, وحتى فنزويلا, مرورا بنيكاراجوا, وتوجه هذه الدول إلى الصدع بمعارضة سياسة الولايات المتحدة وتشكيل أحلاف مناوئة لها.
ومن ثم فإن هذا الوجود الأمريكي العسكري الكثيف يمكن أن نقرئه من ناحيتين, الأولى محاولة إرهاب دول القارة المتمردة بالقوة العسكرية الأمريكية, والزاوية الثانية خاصة بكوبا التي تقف على مرمى البصر من هايتي باعتبارها رأس الحربة في "تحالف الشياطين" المعارض لأمريكا.
ولا يستعبد, أيضا, كرؤية تحليلية, رغبة الولايات المتحدة في قطع الطمع الفرنسي, المستعمر السابق لـ هايتي, من العودة من بوابة المساعدات الإنسانية, وهو ما قد يبرر ذلك الامتعاض الذي أبداه الوزير الفرنسي "آلان جويانديت", ومطالبة فرنسا الأمم المتحدة بتحديد دور الولايات المتحدة في هايتي, حتى لا يتعارض مع المجهودات الدولية الأخرى.
الصورة بلا رتوش تجميلية أنالولايات المتحدة استغلت نكبة هايتي, وفرضت عليها احتلالا عسكريا تحت ستار المساعدات والإنسانية, لأهداف ومصالح أمريكية بحتة لا علاقة لها بالإنسانية أو الإغاثة, ولا عزاء للأمم المتحدة والشرعية الدولية, التي ربما تُغطى العملية بغطاء شرعي زائف بعد برهة من الزمن, بعدما يستقر الأمر للقوة المحتلة.