السبت 14 من صفر1431هـ 30-1-2010م الساعة 01:38 م مكة المكرمة 10:38 ص جرينتش
RSS

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

Bookmark and Share
الانقلاب علي العلمانية

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

الانقلاب علي العلمانية

كتبه: شريف عبد العزيز

 

مفكرة الإسلام: العلمانية منتج ثقافي واجتماعي أوروبي  ظهر في أواسط القرن الثامن عشر في فرنسا من بعدها لباقي دول العالم ، وذلك نتيجة ظروف دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية ، وكانت بمثابة انتفاضة النخب العلمية والثقافية ضد الطغيان الكنسي الذي فاق كل التصورات وجاوز كل الحدود في تحدي المعقولات ومعاداة الكشوف العلمية في شتى مجالات الحياة ، والإصرار علي الوصاية علي العقول والضمائر ، والخلط بين الموروث والمكشوف ، حتى أصبحت الكنيسة كابوساً يؤرق كل الأحرار والعقلاء ، وفي النهاية سقطت الأساطير والخرافات الكنسية ، ولكن بأفدح ثمن وهو نبذ الدين والمقدسات بالكلية ، ومن ثم ظهرت أوروبا العلمانية بديلاً عن أوروبا النصرانية .  

آثار العلمانية علي أوروبا

حين تحرر العقل الأوروبي من نير الكنيسة وطغيانها ، كان في حقيقة الأمر يتحرر من خرافات وأباطيل وأساطير مارست أشد أنواع القهر الفكري والبدني ضد كل من خالفها ، فهذا مقتول وذاك مشنوق وثالث محروق وكلهم في ميادين عامة ، لإرهاب الشعوب والعقول ، فلما تحررت أوروبا من الطغيان الكنسي تفتحت العقول وأبصر الناس أنوار العلم وآثاره علي حياتهم ، فشهدت أوروبا آثاراً كبيرة وجوهرية في ظل النهج العلماني البديل للنهج الكنسي منها :

1ـ التقدم العلمي الواسع والكبير ، بعد أن تحرر العقل الأوروبي من أغلال وقيود الكنيسة التي كانت تدس أنفها في كل شيء ، حتى ظهرت الجغرافيا الكنسية والكيمياء الكنسية والطب الكنسي وهكذا ، ومن يخالفها فقد خالف الله بزعمهم ، ويستحق القتل والحرق ، مثل ما حدث مع كوبر نيكس وجاليليو ، تحرر العقل الأوروبي فأخذ يجرب ويحلل ويستنبط بلا خوف ولا تضييق من راهب أو قس أحمق سيقضي عليه بالكفر والإلحاد ، وكان من حصاد هذا التقدم العلمي قيام الثورة الصناعية التي كانت من أهم أدوات التفوق والهيمنة الأوروبية علي العالم الإسلامي .

2ــ الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية التي واكبت التقدم العلمي ، والرخاء الذي عم البلدان الأوروبية التي تجاوزت شعوبها مرحلة توفير الضروريات إلي البحث عن الكماليات وفنون اللذة .

3ــ الاستقرار السياسي وكان ذلك من أخطر آثار العلمانية علي أوروبا ، إذ ودعت أوروبا عصور الصراع الداخلي الطاحن بين الأمراء والملوك والقادة بسبب الزعامة والملك و الإقطاع ،والذي شغل معظم الأحداث التاريخية في العصور الوسطي ،  وتم ترسيخ آليات سياسية تضمن حرية الاختيار وإبداء الرأي وانتقال السلطة بسلام وهدوء ، وكان هذا الانجاز العلماني في المجال السياسي من أكثر أدوات الدعاية العلمانية في البلاد الإسلامية .

4ــ السيطرة والهيمنة علي العالم الإسلامي من خلال الحملات العسكرية والغزو الثقافي والاجتماعي الذي مارسه الأوروبيون من أجل فرض رؤيتهم ومنهجهم وامتصاص الثروات والخيرات ، وانتقاء نخب ومجموعات تتربي علي النهج العلماني وتتشرب أفكاره وأرائه ، لتكون بعد ذلك قيادات وزعامات تتسلم سدة الحكم في العالم الإسلامي تقوم هي بتطبيق العلمانية علي طريقتها الخاصة .

أوروبا تنقلب علي العلمانية

ولكن في سبيل تحقيق هذه الانجازات ، دفعت أوروبا ثمناً باهظاً ووقعت في مأزق خطير تمثل في الأزمة  الروحية الخطيرة التي يعانيها الأوروبيون في ظل غياب الإيمان وتحييد الدين وتحطيم المقدسات ، وانتشار الإلحاد وتوحشه وظهور المناهج العلمانية المتطرفة التي تتصادم مع الفطرة ، وتقوم بنفس الدور الذي لعبته الكنيسة من قبل ، ولكن من زاوية أخرى ، فظهرت الشيوعية التي مارست أشد أنواع الإقصاء للدين وأتباعه ، وصادرت كل الحريات وقضت علي كل الإرادات ، من أجل فرض منهجها ورؤيتها الخاصة ، وبعد الشيوعية ظهرت الوجودية وحركات تقديس العقل ، وجماعات عبادة الذات ، والانفلات الجامح عن كل شيء ، وأي شيء باسم الحريات الشخصية .  

واليوم وبعد ثلاثة قرون من تجربة أوروبا مع العلمانية وجدت نفسها في معضلة تاريخية وروحية واجتماعية تعصف بالمجتمعات الأوروبية ، حين غاب عنها أثر الدين والإيمان بالمقدسات ، تمثلت في تفسخ العلاقات الاجتماعية ، وارتفاع نسبة الانتحار ، والجنوح الفكري والعقلي والنفسي الذي عليه كثير من الأوروبيين ، فأخذت أوروبا تفكر في العودة للدين والبحث عن إرثها التاريخي مع الدين والكنيسة ، وأخذت أصوات المنادين بالعودة إلي الدين تظهر وتعلو ، تشكلت الأحزاب السياسية ذات الخلفيات المسيحية ، وذلك في العديد من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا ، وأخذت التيارات المحافظة المنادية بأوروبا المسيحية تكتسح الانتخابات في العديد من الدول ، وأخذت أوروبا في تطبيق بعض الأفكار الإسلامية في الاقتصاد والاجتماع والتعليم من أجل المحافظة علي مجتمعاتهم من الانهيار تحت وطأة الإلحاد الذي أفرزته العلمانية وأخواتها ، فطبقت فرنسا نظام الصرافة الإسلامي ، وطبقت ألمانيا نظام الفصل بين الجنسين في المدارس والجامعات ، وطبقت روسيا نظام الحسبة في نوادي موسكو، والأمثلة غير ذلك كثيرة من شواهد انقلاب أوروبا علي العلمانية وعودتها للدين مرة أخرى .

العلمانية في بلاد الإسلام

العلمانية عبرت إلي العالم الإسلامي مع الاحتلال الأوروبي الشامل الذي أصاب بلاد المسلمين بأسرها ، حملت إلينا علي ظهور الدبابات والطائرات ، وفرضت علينا فرضاً ورغماً عنا ، ولأنها منتج غربي وليد بيئته وابن ظروفه ، فقد كان مثل السم الزعاف الذي سار في جسد الأمة ، فلم يجلب عليها إلا الخراب والدمار وطمس الهوية وضياع الخصوصية ، والتعلق بأذيال الغرب ، والاقتداء بآثاره والسير علي خطاه ، حتى ولو علي حساب ثوابتنا الدينية وهويتنا الوطنية وخصوصيتنا القومية ، و اقتيد أبناء الإسلام لبلاد الغرب باسم الإبتعاث العلمي وتحت مسمي دراسة الفيزياء والكيمياء والطب ، فعادوا بالفلسفة والمنطق واللغات والسياسة ، عادوا بالغث الفاسد وتركوا السمين النافع ،  عادوا ليكونوا حراب وسهام في يد أعداء الأمة يطعنون بها ثوابت الأمة الدينية والاجتماعية ، ويسخرون من تراثها وثقافتها ، ويشوهون تاريخها وانجازاتها الحضارية و عطائها الإنساني ، والترويح للمبادئ العلمانية  و الأنماط الأوروبية في الحياة ، باعتبارها النموذج الناجح في التعامل مع متغيرات الحياة المتلاحقة .

العالم الإسلامي ينقلب علي العلمانية

الكثير من الدول الإسلامية الآن أخذت تنقلب علي العلمانية ، ولكن ليس للإسلام مرة أخرى ، ولكن انقلاب من نوع آخر ، انقلاب متطرف لعلمانية متوحشة من جنس علمانية أتاتورك وعلمانية بورقيبة وزين العابدين ، علمانية تتنكر لأهم مبادئها وأصولها ، وهو مبدأ الحرية الشخصية التي جاءت العلمانية في الأساس لاحترامها إلي حد التقديس ، علمانية تصادر الاختيارات وتكبت الحريات ، وتمارس أشد أنواع القهر والظلم ، وتضرب بعرض الحائط أبسط الحقوق الإنسانية ، علمانية تمنع المرأة من اللباس التي تختاره وترضيه ، فتمنع الفتيات والطالبات من لبس الحجاب الشرعي والنقاب ، وتسمح للعرايا أن يرتدن الجامعات وأماكن العمل بكل حرية ، علمانية ترفض أحكام القضاء الوضعي التي تنادي العلمانية في كل مكان بحياديتها ووجوب احترامها ، فيبلغ الشطط بوزير التعليم المصري لئن يتعنت ويطلب حكماً قضائياً لكل فتاة منتقبة علي حدة ، في إصرار لم نري مثله في مسقط رأس العلمانية نفسها علي محاربة الشعائر الإسلامية .

والشاهد المأساوي في هذا الحدث أن في الوقت الذي يتجه فيه العالم الغربي نحو الدين ويعود لكنيسته ومعابده ، ويزداد عدد العائدين إلي الدين والتاركين للإلحاد والإباحية ، يتجه العالم الإسلامي نحو مزيد من التطرف في العلمانية إلي الحد الذي يصل إلي الانقلاب علي العلمانية والتحول لدكتاتورية بغيضة تكشر عن أنياب العداوة والبغضاء لكل ما هو إسلامي ، والعالم الإسلامي الذي قلد الغرب أولاً فسار في طريق العلمانية ، لماذا ينقلب الآن ولا يقلد أوروبا التي تعود إلي الدين ، ويختار لنفسه النموذج الأسوأ في تطبيق العلمانية والذي لا ينتهي إلا في الهاوية .