الاثنين26 من ذو الحجة 1427هـ 15-1-2007م الساعة 05:40 م مكة المكرمة 02:40 م جرينتش
RSS

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

Bookmark and Share
لبنانيًا.. هل تنجح وساطات الخارج ؟!

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

لبنانيًا.. هل تنجح وساطات الخارج ؟!

مصطفى رزق

مفكرة الإسلام : الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة اللبنانية بيروت طرحت تساؤلات حول دور الوساطة التركي وغيره في الأزمة اللبنانية خارج السياق العربي، خاصة مع الترحيب الذي أبدته مختلف الأطياف السياسية اللبنانية بأردوغان واعتباره وسيطا نزيها.

كل هذا طرح تساؤلا هاما .. لماذا تفشل الوساطات العربية غالبا في حل الخلافات العربية ـ العربية، والخلافات داخل الأقطار العربية نفسها، وخاصة لبنان، فيما تنجح وساطات أخرى سواء جاءت من دول مجاورة أو لها صلة ما بالأزمة، أو من الغرب الذي دائما ما يقحم نفسه في هذه الخلافات في محاولة لإيجاد أرضية له تقوم على الشقاق والفرقة.

أردوغان وجد ترحيبا كبيرا في بيروت وأعلن بشكل صريح أن بلاده لا تقوم بالوساطة انطلاقا من نفسها، وإنما هي على استعداد للقيام بهذا الدور إذا كان جميع فرقاء السياسة اللبنانيين يرغبون في ذلك، وهو ما وجد صداه في شكل ترحيب بالدور التركي، الذي أُعتبر اشرف الوسطاء وأكثرهم حيادية والأكثر قدرة على إمكانية القيام بدور الوسيط الناجح.

كما جاء تأكيد أردوغان على هدف الوساطة الأساسي الذي يهدف إلى منع لبنان من الانجرار إلى حرب أهلية طائفية ليصب في اتجاه تعزيز نزاهة الدور التركي؛ مؤكدا أن بلاده تبدي أهمية كبيرة للوحدة السياسية والسلم الداخلي في لبنان، وحذر نظيره اللبناني فؤاد السنيورة أن الخلافات المذهبية ستنعكس بالتأكيد على المنطقة ككل، الأمر الذي يفرض ضرورة تحرك جميع الأطراف لحل المشكلة، وهو ما يوضح أنه لم يحمل أي مبادرات جديدة تختلف أو تتلاقى مع تلك التي حملها الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى بيروت.

مصادر جريدة "الحياة" اللندنية أكدت ذلك موضحة أن أردوغان كان صريحاً في عرضه، فهو على معرفة تامة بالخطوط العريضة لمبادرة موسى التي ناقشها مع القيادات اللبنانية وهذا ما يفسر حرصه على الوقوف على رأيها في الصيغة المقترحة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وتشكيل محكمة دولية للتحقيق في اغتيال الحريري.

أردوغان كرر خلال زيارته لبيروت ـ التي استغرقت يوما واحدا والتقى خلالها عدد كبير من المسئولين والسياسيين من مختلف الأطياف ـ أنه لا حل للأزمة الحالية إلا بجلوس جميع الأطراف على طاولة المفاوضات، ليتم التباحث في شكل من الشفافية والصراحة ويطرح كل طرف هواجسه ومواقفه من الأزمة ومن التيارات الأخرى.

ولعل زيارة رئيس الوزراء التركي صبّت في نفس الاتجاه الذي حملته مبادرة عمرو موسى التي  تتلخص في التنبيه إلى خطورة الوضع وضرورة حسمه بالتوافق وفي أسرع وقت ممكن، وهو ما أكده أردوغان في لقاءاته، مع الثلاثة (إميل لحود ونبيه بري وفؤاد السنيورة) ومع رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري ورئيس كتلة الوفاء النائب محمد رعد ورئيس "اللقاء الديمقراطي" وليد جنبلاط، حينما شدد على استعداد بلاده للقيام بدور وساطة ما وإجراء اتصالات إقليمية ودولية تشمل العواصم الأساسية (واشنطن وطهران والرياض ودمشق) من أجل مساعدة لبنان على تجاوز محنتها السياسية.

الرد اللبناني على الاستعداد التركي للوساطة جاء في صورة تثمين للجهود التركية بالنظر إلى دورها التوفيقي في كسر جمود بعض العلاقات العربية ـ العربية، خاصة بين السعودية وسوريا، وهما البلدان اللذان تربطهما علاقات جيدة ومميزة بأنقرة.

بروز الدور التركي بزيارة أردوغان لبيروت وإعرابه عن استعداد بلاده للقيام بدور جاء في وقت تشهد فيه المبادرة العربية بقيادة الجامعة العربية وأمينها العام أزمة حقيقية، فموسى الذي زار بيروت مرتين دون الإعلان عن نجاح حقيقي في التوصل إلى تسوية ما بين الفرقاء أكتفى بتعهد المعارضة بعدم تصعيد تحركها خلال الأعياد.

ويبدو أن الجامعة العربية تدرك تماما أن مفاتيح حل الأزمة ليست جميعها في لبنان، وهذا ما يفسره قيام عمرو موسى بزيارة عواصم عربية فاعلة على الصعيد اللبناني، كذلك لم ينس أن يكون هناك دور ـ ولو غير مباشر ـ للإدارة الأمريكية في ذلك على أمل خلق بيئة حل قابلة للاستمرار.

ولكن ما لا يمكن لأمين عام الجامعة تجاهله أو تناسيه أن تداعيات الأزمة الحالية هي بالفعل اكبر بكثير من حجم وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه الجامعة، فهي متصلة بقضايا أكبر من حجم الأطراف اللبنانية، ولا يقتصر الحل أيضا على الدول العربية (مجتمعة أو منفردة)، إضافة إلى أن منظمة إقليمية عربية ليس لها أي سلطان تنفيذي تقود جهود الوساطة.

جانب آخر يعرقل ويعوق الوساطة العربية بشكل عام وفي أزمة لبنان تحديدا يكمن في المصالح المتقاطعة لبعض الأطراف الأخرى، العربية أو غير العربية، وفي الحالة اللبنانية نجد سوريا وإيران اللذان لديهما مصالح ربما يترتب عليها بقاء وتيرة الأزمة في تصاعد، فبالنسبة لسوريا فنظام الرئيس بشار الأسد شديد القلق من الملاحقة والمحاسبة الدوليين بسبب الاتهامات الموجهة له بالتورط جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، كذلك فدمشق تشعر بأنها فقدت نفوذها الكبير في لبنان وانعكس ذلك سلباً على دورها الإقليمي.

أما إيران فيبدو أن نظامها متمسك بمد وتقوية نفوذه إلى المنطقة من خلال تقوية دور "حزب الله" الشيعي، واستخدامه لدفع الشيعة اللبنانيين، تدريجاً، إلى حرب مع السنّة من أجل الإتيان بسلطة جديدة خاضعة لنفوذ هذا الحزب ومن يدعمه، وهو الأمر الذي يقلق أوساط عربية لما يمثله ذلك من تقوية الحزب على الحكومة اللبنانية ومؤيديها من تهديد للنظام السياسي والأمني العربي، وبدء ظهور الهلال الشيعي (إيران ـ العراق ـ لبنان) الذي تسعى الدولة الفارسية إلى بسط سيطرته على المنطقة العربية.

ولعل التوجس العربي من تحقق هذا هو ما دفع المملكة العربية السعودية إلى الدخول على خط الوساطة وإن كانت تدعم ضمنيا وساطة الجامعة العربية، إلا أنها وللمرة الأولى تستقبل وفدا من حزب الله، في محاولة فيما يبدو لتأكيد وقوف المملكة على مسافة واحدة من جميع الأطراف والطوائف اللبنانية , وهو ما نجحت فيه تقريبا، وأظهرته تصريحات صادرة عن مسئولين بالحزب تؤكد أن الرياض يمكنها أن تلعب دورا في إيجاد حل للأزمة مشددة على دورها في منع الفتنة السنية الشيعية.

ولكل هذه الأسباب والقيود كانت الوساطة العربية تسير في طريقين أساسيين، أولهم داخلي من خلال التوصل إلى تفاهمات بين السلطة اللبنانية والمعارضة، والآخر خارجي من خلال مشاورات مع أطراف عربية مؤثرة في قرارات الأطراف اللبنانية.

لكن ورغم ذكاء هذا التحرك في هذين الاتجاهين والذي يعبر عن فهم عربي لما يجب أن تسير فيه جهود الوساطة، إلا أن النجاح يتطلب بالضرورة اتجاه ثالث قد يشمل أطرافا غير عربية وهو ما يعني جهود أكبر من حدود الصلاحيات الممنوحة أساسا للجامعة العربية، وأكبر بالتالي من طاقتها وقدرتها على التحرك.

ثمة سبب أخير يحد من فاعلية الوساطة العربية هو تمسك غالبية الأطراف الداخلية في لبنان بالحدود القصوى لمطالبها، بمعنى عدم وجود استعداد للتنازل في سبيل حل الأزمة، في انتظار دعم من خارج لبنان لتقوية هذا الطرف أو ذاك على تحقيق الحد الأقصى لما يسعى إليه.

وكما أن الدول العربية تعي ضرورة الوقوف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء والنظر بعين واحدة لبعض القضايا المتعلقة، فإن على اللبنانيين أنفسهم أن يعوا أن ما يمر به بلدهم هو ظرف يستحيل معه المناورة، كذلك فإن المطلوب من الأطراف الخارجية المؤثرة في مسار الأزمة (سوريا وإيران) أن تقتنع بأن أي مخرج للأزمة يتطلب حلولا سياسية مقبولة، وقابلة للاستمرار، بدلا من الهروب وانتظار مجهول قد يزيد الأمور تعقيدا.