إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا
نصر الله..هل أدمن تزييف الحقائق؟!
عصام زيدان
مفكرة الإسلام : خطابات زعيم حزب الله اللبناني نصر الله تعتمد في الأساس على تغييب الحقائق ولي الوقائع لتتسق مع أفكاره ورغباته المسبقة, وهذا ربما يكون السمت الأبرز في تلك الخطابات التي نشاهدها ونسمعها على فترات متقاربة، خاصة بعد مغامرته ودخوله في مواجهة غير محسوبة مع "إسرائيل" في يوليو من العام الماضي.
فالخطاب الذي ألقاه نصر الله يوم الاثنين 22 يناير 2007 لم يكن بدعًا من خطابات الرجل, من حيث تجاوز الحقائق وتزيفها, وإن كانت ثمة حقيقة جلية واضحة ساقها زعيم حزب الله في مقدمة خطابه ما يجب إغفالها أو تمريرها وسط الركام المتلاحق الذي ساقه من تدليس وقفز فوق الحقائق.
حقيقة وإن تباينت التوجهات..
• الحقيقة التي تناولها نصر الله في خطابه, وتجدر الإشارة إليها, تأكيده على أن لبنان الدولة على مفترق طرق، وأنه في هذه المرحلة يرسم مصير لبنان لعقود من الزمن.
وهذا بلا شك توصيف صادق للمشهد اللبناني إن لم يكن توصيفًا صادقًا للمنطقة برمتها, وإن كان ما نراه من تحليل ورؤية لهذه الحقيقة يختلف عن الذي يراه زعيم حزب الله ويردده في خطبه وأدبياته.
فلبنان تسعى عدة دولة وقوى داخلية وخارجية لجره إلى حظيرتها, لحسابات تخصها ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بمصلحة البلد ومستقبله.
فإيران من ناحيتها تذهب بعيدًا في محاولتها خطف البلد لصالح مشروعها التوسعي الشيعي, وترى بعين أخرى المصالح الأمريكية فيه, ومن ثم تريد أن يكون رهينة صالحة لمقابلته بمصالحها المتقاطعة مع مصالح الولايات المتحدة في المنطقة, لاسيما ما يخص طموحها النووي ومصالحها الإستراتيجية في العراق.
وسوريا هي الأخرى ترى في لبنان رافعة جيدة لجر "إسرائيل" إلى المفاوضات من خلال تحريك "حزب الله" كلما اقتضت الضرورة ذلك, كما هي تحاكي نظيرتها الإيرانية في استغلال البلد وارتهانه لمواجهة الضغوط الأمريكية التي تطل برأسها بين الحين والآخر.
وإن كان حزب الله هو اليد التي تعبث بها إيران وسوريا في لبنان, فإن ثمة قوى أخرى في حقيقة الأمر تجر البلد كذلك ناحية المشروع الأمريكي باعتباره ضمانة للبلد من النفوذ المتنامي للدولتين, فيما يغيب في اللحظة الراهنة العقل الفاعل الذي يرى الخطرين المحدقين على مستقبل البلد الذي قارب على الانسلاخ من الهوية العربية، وتتنازعه هوية فارسية وأخرى أمريكية.
نصر الله ومنطق قلب الحقائق
أما إذا تحدثنا عن الحقائق الملتوية والزيف المتعمد في الخطاب فنحن في الحقيقة وسط ركام من المغالطات التي ما فتئ نصر الله يرددها بين الحين والآخر, حتى أننا قاربنا أن نعرف مضمون خطاباته قبل أن يدلي بها, فهي ذات سمت معروف وتعاريج مكشوفة للجميع.
• أولى تلك المغالطات: حديثه عن أن الحل للمشكلة اللبنانية الحالية تكمن في أن يتنازل فريق الأكثرية الحاكم لصالح مطالب المعارضة.
وهذا في الحقيقة تجاوز للأعراف الديمقراطية التي ينادي به حزب الله وفريق المعارضة الذي معه, فأصول الديمقراطية ترى أن الوصول إلى توافق بين الشركاء يجب أن يتم من خلال تقريب المسافات السياسية بين كافة الأطراف وتنازلات من كل الأطياف المتنازعة, وليس من قبل طرف واحد يجب أن يمتثل لرغبات وأجندة الطرف المقابل.
كما أن دعوته للإضراب وشل مرافق الدولة وقطع الطرق وترهيب الخارجين عن دعوته للإضراب لا يمت بصلة لما يروج له من حديث عن اتباع الأساليب الديمقراطية النظيفة واتهام الطرف الآخر بجر البلاد إلى أتون المواجهة والحرب الأهلية والمذهبية, بل تؤكد عكس ذلك تمامًا.
إذن فالحديث عن تنازل الفريق الحاكم فقط كشرط للحل وإلا كانت مواجهة مفتوحة في الشارع هو من قبيل سد الأفق السياسي أمام أي حل توافقي, ووضع العربة أمام الحصان, وتأزيمًا للموقف السياسي ودفعه بعنوة للاقتتال.
• الأمر الثاني تناوله لما أسماه تضليل الرأي العام بأن الإضراب الذي دعا إليه يهدف إلى تعطيل مؤتمر باريس, وصرح بأنه يدعم أي مؤتمر يساعد لبنان من دون شروط سياسية بلا تردد.
وربما يكون الحزب هنا في حاجة إلى تذكير بأنه فتح خزائنه من قبل لإيران التي يدين لمرجعيتها بالولاء التي دعمته أثناء الحرب مع "إسرائيل" في صيف العام الماضي بالصواريخ والأسلحة, ثم هي بعد ذلك تدعمه بالمال الذي أنفق منه على الإعمار وإصلاح بعض القرى الشيعية الجنوبية التي تضررت من جراء القصف "الإسرائيلي", فيما حرمت منه قرى السن وأهلها.
وهذا ليس ادعاءً بل أكده معاون رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله بلال نعيم لوكالة فرانس برس في تصريح بتاريخ 2006 / 12 / 14, وقال فيه: إن الحزب يملك شبكة من المؤسسات التربوية والصحية والاقتصادية ومصدر تمويلها إيران, وأن تلك المؤسسات تتلقى تمويلاً من "المال الشرعي" الذي يقدمه المرجع الشيعي علي خامنئي, المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية, وأن من أبرز مؤسسات الحزب, "جهاد البناء" التي بدأت, من خلال فرعها "المعمار", عملية إعادة الإعمار بعد حرب يوليو 2006.
فهل ما تدعم به إيران حزب الله الشيعي في الحرب وبعدها ليس مقابل أجندة سياسية, فيما تأخذه الحكومة هو بالقطع مقابل أجندة سياسية؟!
ثم السؤال الذي يجب التوقف عنده كثيرًا, هل تلك الأموال (الخمس) التي تمن بها المرجعية الإيرانية على حزب الله، يمكن أن تغطي الوعد الذي قطعه الزعيم على نفسه بقدرته على تقديم 3 مليار، 4 مليارات للإعمار وتغطية التدهور الاقتصادي الناجم عن تلك الحرب؟!
• المغالطة الثالثة: ما أورده في خطابه من أن الذي ألحق هذه المصيبة بلبنان هو العدو الإسرائيلي,(...), ومن طلب منه ومن أمره وهم الأمريكيون، ومن طلب من الأمريكيين ذلك, وأن كل واحد يجب أن يتحمل مسؤولية ما وصل إليه البلد من إفلاس مالي وانهيار اقتصادي، ولتعلّق مشنقته.
وحقيقة أن الدمار الذي لحق بلبنان جراء تلك المواجهة التي استمرت 34 يومًا إنما يأتي كنتيجة للقصف "الإسرائيلي" العشوائي, ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من صاحب القرار الذي جر "إسرائيل" مرة أخرى إلى الجنوب, ومن الذي استمر في فاعليات المواجهة لتسفر عن هذا الدمار الذي لحق ببنية الاقتصاد اللبناني؟
أليس حزب الله هو صاحب قرار الحرب, وقرار تصعيدها وزيادة بقعتها المكانية وإطارها الزمني؟, فهل يستطيع قادة الحزب مواجهة هذه الحقيقة؟
وكي لا نحيد عن الثوابت, فليس الحديث منصبًا على إدانة المقاومة للعدو "الإسرائيلي", فذلك أمر لا يحتاج إلى مراجعة وتأكيد, ولكن السؤال الذي يفرض نفسه, هل كان القرار الذي جلب تلك الحرب والصورة التي تمت مواجهتها بها داخلة ضمن قدرات الدولة اللبنانية و حساباتها في ذلك الوقت، أم أن الأمر برمته أجندة خاصة بحزب الله كتبت بمداد حبر إيراني سوري ودفعت لبنان الدولة والشعب الفاتورة؟
فهل نحمل العدو "الإسرائيلي" بعد ذلك مسئولية الانهيار الاقتصادي وحده, أم تتحمله الحكومة, أم يتحمله الحزب الذي جر البلاد إلى تلك المواجهة، وأضاف إليها الاعتصام الذي زاد من خشونة الأوضاع الاقتصادية وصعوبتها, وأضاف إلى ذلك التدهور المزيد بالإضراب الذي فعله يوم الثلاثاء 22/1/2007.
فقد قدرت الخسائر الناجمة عن المواجهة بين حزب الله و"إسرائيل" بنحو 10 مليارات دولار, حيث توقفت 95% من المصانع عن العمل, وتم تدمير نحو 30 منشأة حيوية من بينها مطار بيروت, و 145 جسرًا, وانتقل معدل النمو من 6% إلى صفر %,.
والأخطر من ذلك أن تداعيات الاعتصام والإضراب أزالت لبنان من خريطة الاستثمارات العربية والدولية بعد أن وصلت إلى نحو 3 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2006 أي قبيل الحرب مباشرة.
• رابع المغالطات جاءت عندما تعرض للخوف من استقدام قوات متعددة الجنسيات إلى لبنان تحت الفصل السابع، أو تحويل قوات (اليونيفيل) في لبنان تحت الفصل السابع، وتوسيع مهامها, وإشارته إلى أن ذلك يعني أفغانستان جديدة أو عراقًا جديدًا، وتساءل: أهكذا يحوّل لبنان إلى ساحة اقتتال نعرف بدايتها، ولا نعرف نهايتها؟ واتهم الفريق الحاكم بأنه يسعى في الليل وفي النهار لدفع الأمور إلى حرب أهلية.
الحقيقة التي لا يجب إغفالها أو نسيانها أن قوات اليونيفيل ما جاءت إلا بعد المغامرة التي قام بها جنود حزب الله في جنوب لبنان.
كما أن الساحة اللبنانية قد وقفت على شفا الاقتتال الداخلي, وتكاد أن تنقلب إلى حرب أهلية ضروس, إنما يرجع بصورة أساسية إلى الفاعليات التي يدعو إليها الحزب وملحقاته, في مواجهتهم لحكومة فؤاد السنيورة.
فعلى من تقع التبعة إذن في استقدام قوات اليونيفيل وتحضير الساحة وشحنها بكافة الأدوات المؤدية للاقتتال والتطاحن الطائفي والمذهبي.
إن الدخان الأسود الذي ملأ سماء بيروت بفعل نشاطات حزب الله لن يتمكن من التغطية على موجات التزييف التي أدمنها زعيم حزب الله في خطاباته والتي ما عادت تنطلي إلا على مجموعة من السذج لديها القابلية العالية للغفلة أو الاستغفال.