الإيجابية في الحياة، لماذا؟

نشرت: - 06:18 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 25918

media//_new_clive.jpg

فريد مناع

في يوم من الأيام، أراد أحد الآباء أن يعلم ابنه الوحيد كيف يواجه مشاكل الحياة وصعابها، فما كان منه إلا أن اصطحبه إلى المطبخ ـ وكان يعمل طبَّاخًا ـ ثم ملأ ثلاث أوانٍ بالماء، وأشعل تحتها النار، وسرعان ما بدأ الماء في الغليان.

وفي تلك الأثناء، قام الأب بإحضار جزرة وبيضة وبعض القهوة المطحونة (البن)، ثم وضع الجزرة في الإناء الأول، والبيضة في الثاني، وحبات البن في الثالث.

وأخذ ينتظر أن تنضج هذه الأصناف الثلاثة، وهو صامت تمامًا، بينما بدأ صبر ابنه الشاب ينفد، وهو لا يدري ماذا يريد أبوه؟! ثم نظر إلى ابنه وقال: يا عزيزي، ماذا ترى؟ أجاب الابن وقد بدأ صبره ينفد: جزرة وبيضة وقهوة.

ابتسم أبوه، ثم طلب منه أن يتحسس الجزرة، فلاحظ أنها صارت ناضجة وطرية، ثم طلب منه أن ينزع قشرة البيضة، فلاحظ أن البيضة باتت صلبة، ثم طلب منه أن يرتشف بعض القهوة، فابتسم الشاب عندما ذاق نكهة القهوة الغنية.

سأل الشاب والده وقد نفد صبره بالفعل: ولكن ماذا يعني هذا يا أبي؟ فقال الوالد وقد ارتسمت على وجهه علامات الجدية: اعلم يا بني أن كلًّا من الجزرة والبيضة والبن واجه التحدي نفسه، وهو المياه المغلية، ولكن كلًّا منها تفاعل مع هذا التحدي على نحو مختلف.

لقد كان الجزر قويًّا وصلبًا، ولكنه ما لبث أن تراخى وضعف، بعد تعرضه للمياه المغلية، أما البيضة فقد كانت قشرتها الخارجية تحمي سائلها الداخلي، لكن هذا الداخل ما لبث أن تصلَّب عند تعرضه لحرارة المياه المغلية، أما القهوة المطحونة فقد كان رد فعلها فريدًا؛ إذ أنها تمكنت من تغيير الماء نفسه.

والآن ماذا عنك؟

هل أنت الجزرة التي تبدو صلبة، ولكنها عندما تتعرض للتحديات والصعوبات تصبح رخوة طرية وتفقد قوتها؟ أم أنك البيضة، ذات القلب الرخو، ولكنها إذا ما واجهت الضغوطات والمشاكل، اشتد عودها وأصبحت قويًّة وصلبة؟ أم أنك مثل البن المطحون، الذي يغيّر الماء الساخن (الضغوطات والتحديات) بحيث يجعله ذا طعم أفضل؟!

قد تبدو لك البيضة ـ عزيزي القارئ ـ نموذجًا سليمًا للتعامل مع الصعوبات، ولكن بقليل من التفكير يتضح لك عكس ذلك.

فالبيضة مع زيادة الضغوطات عليها لا تستطيع الاستمرار في الصمود، ومن ثم تتحطم القشرة وينهار قلبها الصلب تحت وطأة هذه الضغوطات؛ وليس ذلك إلا لأنها تتعامل مع الصعوبات بإستراتيجية رد الفعل، ولم تحاول أن تقفز قفزة خارج الإطار المعتاد، وتغير هي تلك الصعوبات، وتتخذ منها موقفًا إيجابيًّا، وتحولها إلى مصدر للسعادة، ولكنها اكتفت فقط بأن تلعب دور حائط الصد الذي يتلقى الضربات بصلابة وقوة، ولكنها صلابة تنتهي ولو بعد حين.

إما إذا كنت مثل البن المطحون، فإنك تجعل الأشياء من حولك أفضل دائمًا ومن ثم تتفاعل معها بصورة إيجابية، وكلما زادت الضغوطات لم يزدك ذلك إلا عزمًا وتصميمًا على تجاوزها وتحويلها إلى ما ينفعك ويفيدك في عاجل أمرك وآجله.

فكِّر ـ عزيزي القارئ ـ كيف تتعامل مع أمور الحياة كلها، وهل أنت جزرة أم بيضة أم حبة قهوة مطحونة؟ فهكذا تعلم كم أنت أيجابي.

تعرف عليها:

       ولكن لابد أولًا من إلقاء الضوء على مفهوم الإيجابية، فما نعنيه بكلمة الإيجابية أنها تمثل تلك الطاقة الجبارة، التي تتولد لدى الشخص وتملأ عليه كيانه؛ ومن ثم تدفعه للعمل الجاد الدؤوب، من أجل الوصول إلى الهدف، متخطيًّا كل العوائق، ومحطمًا كل الحواجز التي تعترض طريقه.

إن الإيجابية عمل يمنع الكسل، وحيوية تُقصي الخمول، إنها عطاء ليس له حدود، وارتقاء فوق كل السدود، ومبادرة لا تكبلها القيود.

الإيجابية ثورة داخل نفس الإنسان إذا حلت قادت وحركت وفجرت الطاقات التي بداخله؛ ليبدع وينتج ويقدم عطاء ليس له حدود.

الإيجابية دافع نفسي واقتناع عقلي وجهد بدني لا يقنع بتنفيذ التكليف، بل يتجاوز إلى المبادرة في طلبه أو البحث عنه، بل يضيف إلى العمل المتقن روحًا وحيوية، تعطي للعمل تأثيره وفاعليته، دون أن يخالطه جفاف أو تبرم أو استثقال.

إذًا فالإيجابية هي الصفة التي تجعل المسلم (مقبلًا على الدنيا بعزيمة وبصر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت، ولا تصرفه وفق هواها، إنه هو الذي يستفيد منها، ويحتفظ بخصائصه أمامها.

تمامًا كبذور الأزهار التي تطمر تحت أكوام السبخ، ثم هي تشق الطريق إلى أعلى مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة، لقد حولت الحمأ المسنون، والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح ... إنه بقواه الكامنة وملكاته المدفونة فيه، والفرص المحدودة والتافهة المتاحة له يستطيع أن يبني حياته من جديد).

هل فعلًا نحتاج إلى الإيجابية؟

       ربما يبدو السؤال غريبًا لك عزيزي القارئ، وستقول: بالتأكيد نعم، ولكننا نحتاج إلى التعرف بعمق وعن قرب على أهمية الإيجابية وحاجتنا الشديدة إليها.

1.   أنت ربان السفينة:

إن كانت حياتك سفينة، فلابد أن تعلم ـ عزيزي القارئ ـ أنك ربانها، وأنت تجلس دائمًا في قمرة القيادة، ممسكًا بدفتها، محددًا وجهتها، راسمًا لخطة مسيرتها، ولكن أنَّى لهذه السفينة أن تمخر عباب التحديات، وتتجاوز أعاصير المشكلات، دونما وقود يحركها، وهذه الإيجابية تمثل ذلك الوقود.

وإن كنت أنت وحدك ربان سفينة حياتك، فإنك بالتالي ستكون محاسبًا على ما قدمت فيها أمام الله وحدك أيضًا، فكما يقول تعالى: {وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: ٩٥]؛ ولذلك كان مدار الثواب والعقاب هو ما قام به كل إنسان، فيأتي يوم القيامة، {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [النبأ: ٤٠]، فيرى آثار عمله في الدنيا.

2.   عقيدة ملؤها الإيجابية:

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: ١١٥]، هكذا عاب الله عز وجل على هؤلاء الذين ظنوا أن الإنسان خلق سدى، أو أنه خلق للعبث واللهو والمتعة، بل إن هذا الدين قد أتى منذ بزوغ فجره؛ لينثر بذور الإيجابية، في أرض الإيمان؛ فأنبتت أشجارًا، أصلها ثابت، وفرعها في السماء.

فخرج من مدرسة الإيجابية صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأثمرت تلك الشجرة، صحابة عظام، كمثل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ففي أول يوم له في الإسلام، يسلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة.

وخرجت لنا من تلك الأرض الطيبة ثمرة أخرى، ألا وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الذي عرض عليه سعد بن الربيع رضي الله عنه أن يقاسمه كل ما يملك، ويطلق له إحدى زوجتيه؛ فتعتد فيتزوجها، فأبت طاقة الإيجابية المتدفقة أن يكون عالة وكلًّا على مجتمعه، وبدلًا من ذلك أعلنها صريحة بقوله: (دلني على السوق).

3.   من الأحلام إلى الواقع:

فإهداف الإنسان هي حبر على ورق، ما لم تتوج بعمل دائب، ومبادرة مستمرة، في سبيل تحويل هذه الأهداف من أحلام تسبح في فضاء الأوهام إلى واقع يسير على أرض النجاح، فكما قيل قديمًا: (الحكمة أن تعرف ما الذي تفعله، والمهارة أن تعرف كيف تفعله، والنجاح  هو أن تفعله).

ولذا كان وصف الله عز وجل للشخص السلبي المتكاسل وصفًا تنفر منه النفوس، يقول تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} [النحل: ٧٦].

فصار هذا الكَل المتكاسل السلبي كالشخص الأبكم، ولعل كلمة الكَل أقسى من كلمة الكسول؛ لأنها تعني أنه ليس كسولًا فحسب، بل هو عبء ثقيل على مجتمعه، ولم يكن فقط عبء ببطالته وتوقفه عن السعي في حركة الحياة، بل جعله الله عز وجل شخصًا عاجزًا عن فعل أي خير، أو تقديم أي نفع؛ لأن أقصى ما يقدمه لنفسه ولمجتمعه الكلام الكثير والفعل القليل.

4.   سر الحضارة:

فلو كانت الحضارة نهرًا جاريًّا، فإن منبع ذلك النهار هو الإيجابية والفعالية؛ وذلك لأن (المتتبع للحضارة الإنسانية، يجد الإبداع الفردي، والإيجابية الذاتية هما منبع الأفكار المتميزة، وبداية الآفاق الحضارية، فمنذ فجر التاريخ كانت الاختراعات والابتكارات فردية، ابتداءً من صناعة العجلة، وحتى الطباعة، والتلغراف، والمصباح، وأشباه ذلك).

وليس ذلك مقصورًا على حضارات الأمس، بل هو أمر واضح وظاهر حتى في حاضرنا، فإن (الناظر المستقرئ لمدنية اليوم، يظن أنها نتاج حكومات ومؤسسات، إلا أن المتتبع لها، ولبداياتها يعلم أنها ابتدأت بمحاولات فردية، فكثير مما نشاهده من شركات أو مؤسسات بدأت بزمام مبادرات فردية، تطورت مع الأيام إلى جماعية).

5.   فطرة كونية:

فتأمل معي ـ عزيزي القارئ ـ في إيجابية تلك النملة التي حكى عنها القرآن، قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: ١٧]، حيث تجمعت جيوش سليمان عليه السلام ثم بدءوا المسير حتى وصلوا إلى وادي النمل.

ومن بين جموع النمل المتكاثرة، التي غصت بها مستعمرة النمل، رأت تلك النملة البسيطة هذه الجحافل الجرارة من جيش سليمان عليه السلام، فأبت تلك النملة إلا أن تكون إيجابية، وتدعو قومها وتنذرهم، فصاحت فيهم {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]، ولم تكن من أكثر النمل قوة ولا بأسًا، والدليل على ذلك أن الله عز وجل قد عبَّر عنها بصيغة التنكير، حيث قال تعالى: {نَمْلَةٌ}، فما كانت ملكة النمل، ولا حتى أميرتهم.

ما أروع هذه النملة الإيجابية التي حملت هم أمتها، وأدركت خطورة مسئوليتها تجاه مجتمعها، لم تقل: (وما شأني؟ هل سأستطيع وحدي أن أنقذ أمة النمل من هذا الجيش الجرار؟)، بل قامت صائحة معلنة لبني قومها: إنَّ الخطر قادم فأنقذوا أنفسكم، ولم تهرب عندما أحست بالخطر.

وختامًا:

فإن كان هذا معنى الإيجابية وأهميتها، فتعال بنا ـ عزيزي القارئ ـ لنتعرف على دعائم هذه الإيجابية وعاداتها الفعالة من خلال المقالات التالية إن شاء الله.

أهم المراجع:

1.          جدد حياتك، الغزالي.

2.          سير أعلام النبلاء، الذهبي.

3.          الإيجابية في حياة الدعاة، د. عبد الله يوسف الحسن.

 

 

التعليقات

5 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    استطلاع رأي حول المليشيات الشيعية و"داعش" يشعل مواقع التواصل

    تحول تصويت برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة لمعركة كلامية؛ تراشق فيها مؤيدو ومعارضو ميليشيات الحشد الشيعية المدعومة من إيران في العراق الاتهامات والأوصاف من العيار الثقيل.

    25 أبريل 2015 02:45:00

    مصرع قائد بالجيش العراقي وعشرات الجنود بمعارك الأنبار

    أفادت مصادر عراقية بأن قائد الفرقة الأولى في الجيش العراقي العميد الركن حسن عباس طوفان قُتل في المعارك الدائرة شمال غرب الفلوجة في الأنبار غربي البلاد مع تنظيم "الدولة الإسلامية".

    25 أبريل 2015 02:30:00

    هنية: تلقينا إشارات إيجابية على صعيد العلاقات مع مصر والسعودية

    أفاد إسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، بأن حركته تلقت العديد من “الإشارات الإيجابية” من قبل القيادتين المصرية والسعودية.

    25 أبريل 2015 02:10:00

    أسير أفغاني لدى الثوار: تلقيت أموالاً مقابل مشاركتي بحرب سوريا

    اعترف أسير أفغاني لدى كتائب الثوار السورية بأنه تلقى مليوني تومان إيراني (نحو ستمائة دولار) مقابل مشاركته في القتال ضمن العناصر الإيرانية الداعمة لقوات النظام السوري.

    25 أبريل 2015 01:50:00

    اختفاء القمر الصناعي المصري.. وعصام حجي: "أشعر بالحسرة"!

    فقدت «هيئة الاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء» اتصالها بالقمر الصناعي البحثي «إيجبت سات ـ 1»، منذ 3 أشهر، بعد خروجه عن سيطرة أجهزة التحكم في موقع للبرنامج الفضائي المصري.

    25 أبريل 2015 01:30:00

    خطبة جمعة تنتهي بإشهار أربعة فلبينيين إسلامهم في الباحة (صورة)

    وقام إمام الجامع الشيخ فراج بن عبدالله الزهراني، بتلقين المسلمين الجدد الشهادتين، وتعريفهم ببعض مبادئ الإسلام السمحة.

    25 أبريل 2015 01:00:00

    لماذا لا تسعى تركيا لامتلاك سلاح نووي؟!

    والحقيقة أن أنقرة لديها مبررات قوية لتطوير برنامج نووى للأغراض السلمية, فأنقرة تستورد 90 من احتياجاتها من البترول والغاز الطبيعى مما يمثل استنزافاً للميزانية

    23 أبريل 2015 07:42:00

    صنعة الدجال في قم.. الخميني أنموذجًا

    ولا تكاد توجد طائفة معاصرة أظهرت مغالاتها في هذا الحب كالطائفة الخمينية في إيران.

    22 أبريل 2015 08:53:00

    من وراء أحداث تركيا الأخيرة؟

    الأشهر القليلة القادمة ستكون الساحة السياسية التركية مليئة بالتجاذبات والأحداث الساخنة.

    21 أبريل 2015 08:33:00

    عاصفة الحزم والوجع الإيراني

    إن تجربة الغوغائيون في مملكة البحرين هي افضل مثال لأتباع ايران في المنطقة حيث ورغم كل الدعم الذي حصلوا عليه من ايران وبعض الدول الغربية.

    20 أبريل 2015 07:58:00

    هل تحقق حلم هرتزل أخيرا ؟

    "اتفاق قناة البحرين يحقق حلم هرتزل"

    18 أبريل 2015 08:15:00

    حوار حصري لمفكرة الإسلام مع الرئيس التنفيذي لمرصد الأقليات المسلمة

    فى ظل عالم تتعرض فيه الأقليات الإسلامية لانتهاكات شديدة فى حقوقها جاءت فكرة تأسيس مرصد الأقليات الإسلامية والذي كان لمفكرة الإسلام هذا الحوار الأول مع أحد مؤسسيه ورئيسه التنفيذي عصام الدين.

    15 أبريل 2015 08:44:00

    إغلاق