سلسلة الرقابة الإدارية (2) مراحل الرقابة

نشرت: - 01:03 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 6210

media//_new_الرقابة الادارية.jpg

مصطفى محمد كريم

يقول الدكتور زكي محمود هاشم: (تعتبر الرقابة كالتخطيط تنظر إلى الأمام وتهدف إلى تلافي الأخطاء والانحرافات قبل حدوثها، وتسعى إلى تصديها، وتقدم الحلول لمعالجة المشاكل القائمة وتلافي تكرار حدوث الأخطاء أو الانحرافات)، لهذا عزيزي القارئ نكمل ما بدأناه عن مراحل الرقابة، فقد تكلمنا عن أُولى تلك الخطوات وهي وضع المعايير الرقابية، ونستكمل تلك الخطوات في هذا المقال وهي:

الخطوة الثانية: قياس الأداء الفعلي:

وهذه المرحلة مرهونة بالمرحلة السابقة فمن الصعب قياس الأداء الفعلى وتقويم مدى مناسبته دون أن يتوفر لدى المراقب "المعايير الملائمة الواجبة" السابق وضعها وإقرارها.

يقول الدكتور فايز الزغبي: (ويقصد بذلك القياس الفعلي لما تم إنجازه ومقارنته بالمعيار الرقابي إذا كان المعيار يتم التعبير عنه كميًّا أو نوعيًّا، وذلك لهدف اكتشاف مدى تطابق العمل الفعلي مع المعيار وتحديد مقدار الإنحراف إيجابيًا كان أم سلبيًا واكتشاف مسبباته وظروف حدوثه).

ويقول الدكتور كامل محمد المغربي: (إن قياس الأداء الفعلي المرحلة الوسطى من مراحل الرقابة الثلاث فقد تناولنا في المقال السابق مرحلة وضع المعايير وعلاقتها بوضح الأهدف والخطط، فوضع المعايير وتحديدها يعتبر خطوة حاسمة في حل العديد من المشاكل الإدارية).

ولذلك حتى تتم العملية الرقابية أو الإشرافية بشكل موضوعي يجب على المُراقِب أن يأخذ في حسبانه أيضًا عدة اعتبارات بخلاف اعتبار "سلامة المعايير الواجبة"، والتي من أهمها:

أ‌-    مراعاة نطاق الإشراف:

تقضي المبادئ الإدارية بأن يكون نطاق الإشراف الذي يقع تحت مسؤولية المُراقِب مناسبًا، وهذا الأمر بطبيعته مرهون بعوامل مختلفة مثل:

-         مدى كفاءة ومهارة وخبرة المراقب نفسه.

-         مدى تمركز المرؤوسين موضع المراقبة.

-         مدى درجة حداثة خبرة المرؤوس بمهارات الوظيفة التي يشغلها.

-         مدى فاعلية نظم الاتصال المتبعة بين المُراقِب والمُراقَب والمرؤوسين.

-         مدى درجة تجانس المهام التي يؤديها المرؤوسين موضع المراقبة.

ب‌-     مدى تفهم المرؤوسين مُقدَّمًا لأهداف المراقبة:

إن عدم الإلمام المُسبق للمرؤوسين بمبررات المراقبة على إنجازاتهم، والتفهم للكيفية التي ستتم بها، والأدوات التي سيستعين بها المراقبون في أداء إجراءاتها، كل ذلك يجعل عملية المراقبة عديمة الجدوى لأنها بهذه الصورة لن تحرز الأهداف المنشودة منها.

وهنا يظهر دور المدير المُراقِب حيث يقع على عاتقه مهمة تهيئة نفوس العاملين للمراقبة حتى يتقبلوا أي استفسار أو مناقشات تُثار معهم بتفاهم وارتياح.

هذا مع التأكيد للمرؤوسين أن هدف الرقابة لا يقتصر على مجرد اكتشاف سلبيات الأداء بقدر الاستفادة منها كمؤشرات واقعية تفيد في تطوير المعايير الرقابية اللاحقة، وكذلك عند إعادة التخطيط للفترات التالية.

ت‌-      أن يكون هناك حدة للخطأ المسموح به:

من الصعب عمليًّا أن يؤدي الفرد أعماله المطلوبة منه بدرجة صواب 100% على الدوام، لذلك لا يعيبه أن يرتكب بعض الهفوات أو الأخطاء بشرط أن تكون في الحدود المسموح بها (وذلك من حيث عدد مرات الخطأ، ونوعيته) حرصًا على مصلحة العمل؛ لأنه بتجاوزه لهذا الحد أو ذلك الهامش ستتحول هذه الأخطاء لسلوكيات تصبح لها صفة الاعتياد المسموح به وعندئذٍ قد تكتسب صفة عدم جواز المحاسبة عليها، ووسيلة المراقب في قيامه بعملية التقويم الفعلي لأداء مرؤوسيه تتم عادة من خلال كل من أسلوب:

1- المتابعة المباشرة (الحية) من خلال المشاهدة: وهذا الأسلوب يقضي بنزول المدير لمواقع العمل (الإدارة بالتجوال)، حيث يبدأ المراقب يتتبع بالملاحظة أداء كل مرؤوس على حدة أو الجماعة ككل، وقياس النتائج على أن يقارن ذلك بالمعايير الرقابية الواجبة سواء على مستوى الفرد، أو على مستوى الجماعة، فتتكشف له المعوقات أو الانحرافات الفعلية التي تتجاوز حدود السماح، وهي التي يستحق عنها عندئذ المساءلة وتوقيع العقاب المناسب.

2- المتابعة المباشرة الآلية من خلال الكاميرات: وهذا الأسلوب يتم بموجب المُراقِب، ولكن من مكتبه من خلال جهازه الآلي الموصل بكاميرات مركبة بمواقع العمل، ولذلك يعتبر هذا الأسلوب مباشرًا أيضًا في المراقبة.

وهناك سمة اختلاف بين المراقبة الحية بالعين والأخرى الآلية، وهو أن الأسلوب الأول يُتيح الفرصة للمراقب أن يتناقش مباشرة مع المرؤوس ويستمع إليه ويتبادلان، وجهات النظر في نقاط الاختلاف، مما يجعل منها وسيلة جيدة للاقتناع بوجهة النظر الصحيحة في النهاية وبالتالي سرعة الاستجابة للتصحيح.

وأهم ما يعيب هذا الأسلوب هو طول الفترة المستغرقة في عملية التقويم والمناقشة مع المرؤوسين مما قد يؤثر على وقت وحجم العمل المتبقي سواء للمدير أو للمرؤوس.

أما الأسلوب الثاني للمراقبة، وهو ما يتم بواسطة الكاميرات فهو يُعد أكثر توفيرًا لكل من وقت وجهد المدير المراقب، كما أنه يتيح له فرصة الاحتفاظ بالمعلومات لديه بالحاسب ومن ثم سرعة استردادها وقت الحاجة إليها.

ولعل أهم ما يُؤخذ على هذا الأسلوب افتقاده لعنصر المناقشة المباشرة بين المدير والمرؤوس عن نقاط الصعوبات التي تعتري الأداء مما يقلل من درجة حماس واستجابة المرؤوسين عند تلقي أي توجيهات أو قرارات تصدر لهم دون سابق مناقشة.

وعملية المراقبة الفعلية هنا يمكن أن تُؤدى بواسطة الرئيس (أي المدير)، أو يُمكِن أن يُخصِّص لها مُشرفين متفرغين ومسؤولين عن متاعبة التنفيذ كالمهندسين، ومُشرفي العمال وغيرهم.

3- المراقبة غير المباشرة: وهي تلك التي تتم من خلال:

أ‌-     التقارير المكتوبة التي قد يُعدُّها المرؤوس بنفسه لرئيسه.

ب‌-    التقارير المكتوبة أو الشفهية التي تُعد بمعرفة المُشرِف والتي يرفعها ويبلغ بها مديره المباشر الذي يعمل تحت رئاسته.

ويعد أسلوب التقويم من خلال التقارير أفضل من كل من النوعين السابقين لأن التقويم هنا يكون مُتأنيًّا وأدق وأكثر واقعية؛ باعتباره صادرًا من المرؤوس نفسه أو من المشرفين المتخصصين.

وتعد التقارير المكتوبة أفضل من مثيلتها الشفهية لأنها تتمتع بمنزلة مصادر مُوثقة يمكن الاحتفاظ بها واستعادة معلوماتها الواقعية عند الحاجة.

الخطوة الثالثة: تصويب الانحرافات:

وترتبط هذه المرحلة ارتباطًا وثيقًا بنتائج مخرجات القياس للمرحلة السابقة، وهي تلك المرحلة التي عادة ما تُسفر عن واحد من النتيجتين التاليتين: بمعنى إذا ما جاءت النتائج:

-   إيجابية: أي أن الانحرافات قد جاءت في ظل التجاوزات المسموح بها فعندئذٍ لا يكون هناك مبررًا للقيام بالمرحلة الثالثة المسؤولة عن تصويب الانحرافات.

-   أو سلبية: أي أن هناك انحرافات تجاوزت الحدود المسموح بها فإن ذلك يكون مبررًا لاستكمال إجراءات العملية الرقابية، وبالتالي القيام بالمرحلة الثالثة التي هدفها الإصلاح للانحرافات بهدف إعادة سير العمل لمساره الصحيح وفقًا للخطة.

وهنا يستوجب الأمر تبعًا لمرحلة تصويب الانحرافات الالتزام باعتبارات رئيسة من أهمها:

·  حصر أسباب الانحراف توصلًا للسبب الرئيسي أو المشكلة الأساسية بالأساليب العلمية المناسبة (والتي يُذكر منها في هذا الشأن نموذج تحليل عظمة السمكة لصاحبها الياباني إيشكاوا الذي يفيد كثيرًا في الوصول للمسببات الفرعية ومن ثم تشخيص المشكلات الإدارية)، وعندئذٍ تكون الإدارة قد نجحت في وضع يدها على أُولى خطوات العلاج؛ بتشخيصها الصحيح للداء الرئيسي المسبب لهذه السلبيات.

·       توافر الصلاحيات الإدارية التي تسمح بتصحيح الانحرافات.

والموقف العلاجي للانحرافات لا ينبغي أن يقتصر على الحلول السريعة فقط بل يجب أن تلاحقها الحلول الجذرية طويلة الأجل لضمان القضاء على الانحراف في الوقت الحالي وأيضًا اللاحق.

هذا مع ملاحظة أيضًا أن الانحرافات محل التصحيح ليست بالضرورة أن تكون كلها ممن تقع في نطاق مسؤولية المرؤوس حتى تكون محل محاسبته عليها؛ لأن الكثير منها عمليًا قد يكون راجعًا للإدارة نفسها مثل مبالغتها في الأهداف التي أقرتها، أو في المعايير التي فرضتها على العاملين بالمنظمة والمتعاملين معها، أو بسبب عدم مناسبة المواد والإمكانات المتاحة والمرتقبة.

ويأتي بعد تحديد الإدارة للمشكلة الرئيسية المؤدية لهذه الانحرافات تأتي المبادرة باقتراح الحلول البديلة الممكنة بشرط أن تتلاءم، وظروف وإمكانات المنظمة المادية والبشرية، على أن يُفاضل بينها ويتم اختيار الإجراءات السريعة التي تفيد في حل هذه المشكلة بشكل فوري، وكذلك بحث الوسائل التي تكفل تجنب تكرارها في الآجال الأطول لتقليص التكاليف المباشرة وغير المباشرة التي تنجم عن تكرار هذه الإنحرافات.

يقول الدكتور كامل محمد المغربي: (تعتبر عملية تصحيح الأخطاء والانحرافات ما بين النتائج الفعلية والنتائج المطلوبة المرحلة الأخيرة لوظيفة الرقابة، فعملية تصحيح الأخطاء والانحرافات هي التي تعطي وظيفة الرقابة معناها المتكامل، حيث أن الاجراءات المتخذة ما هي إلا نتيجة للقرارات التي يتخدها المسؤول بناءً على التقارير الرقابية، إلا أن عملية الرقابة لا تُعطي ثمارها من جراء المقاييس أو مقارنة الانتاج الفعلي بالمقاييس الموضوعية، بل من جراء اتخاذ القرارات الضرورية لتصويب الأعمال الفعلية وإغلاق الفجوة بينها وبين المعايير المرغوبة).

هذه عزيزي القارئ كانت خطوات ومراحل الرقابة الإدارية على المنظمات، وأخيرًا ننصح بأن على الإدارة أن تتحلى دائمًا بالنشاط والفاعلية بمعنى ألا تظل حبيسة غرفتها حتى تطفو الشكاوي والمشكلات على سطح المكتب لكي تهم بدورها العلاجي بل يجب عليها تخصيص جزء من وقتها وعملها باستمرار نحو التحري والتنقيب والبحث عن أي بوادر لثغرات أو انحرافات يمكن أن تعتري مواردها البشرية (العاملين) أو المادية (الأصول المختلفة) أو معاملاتها التجارية المنجزة لتسارع بدراستها وتحليلها واقتراح أوجه العلاج الملائمة قبل تفشي تكرارها.

أهم المراجع:

1- مبادئ إدارة الأعمال، أ.د.أحمد بن عبد الرحمن الشميمري، أ.د.عبد الرحمن بن أحمد هيجان، د.بشري بنت بدير المرسي غنام.

2- الرقابة على أعمال الإدارة، د.سامي جمال الدين.

3- الرقابة الإدارية في منظمات الأعمال، د.فايزالزغبي.

4- أساسيات الإدارة، د.زكي محمود هاشم.

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    مؤسس "المصري اليوم" يكشف تدخلات ساويرس في الإعلام

    كشف هشام قاسم، مؤسس صحيفة المصري اليوم، عن تدخلات نجيب ساويرس رجل الأعمال المسيحي في الإعلام، مؤكدًا سعيه نحو الحصول على دور سياسي

    03 سبتمبر 2015 07:20:00

    السعودية.. سبب إعفاء وكيل أمين الطائف للتعمير من منصبه

    أصدر معالي وزير الشؤون البلدية والقروية عبداللطيف آل الشيخ قراراً يقضي بإعفاء وكيل أمين محافظة الطائف للتعمير المهندس حسين آل فايع من منصبه

    03 سبتمبر 2015 07:00:00

    بالصور.. القوات الأمريكية تزود صحوات الأنبار بالأسلحة

    زودت القوات الأمريكية المتواجدة في قاعدة الحبانية جنوب شرقي الرمادي، اليوم الخميس، عناصر الصحوات بالأسلحة ورواتب مالية في قضاء الخالدية بالأنبار

    03 سبتمبر 2015 06:45:00

    أوغلو يدعو أوروبا لتحمل نصيبها من اللاجئين السوريين

    أكد رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، في بيان له، اليوم الخميس، إن تركيا ستبقي أبوابها مفتوحة أمام اللاجئين، مناشدًا الدول الأوروبية لتحمل نصيبها من تبعات الأزمة

    03 سبتمبر 2015 06:30:00

    بالصور.. والد الطفل السوري يكشف تفاصيل غرقه بالمتوسط

    زوجتي وأبنائي لقو حتفهم" ... بعد أن انحبست الكلمات في حلقه لم يستطع عبدالله الكردي سوى التصريح بتلك الكلمات حول حادث غرق عائلته

    03 سبتمبر 2015 06:15:00

    جيش العبادي يرتكب مجزرة مروعة بحق النساء والأطفال بالرمادي

    أعلنت مصادر طبية عراقية، مقتل 46 شخصًا جلهم من النساء والأطفال، وإصابة عشرين آخرين، في قصف لطائرات حربية عراقية استهدفت معبرا على نهر الفرات بمنطقة البو عبيد في جزيرة الخالدية شمال شرقي

    03 سبتمبر 2015 06:05:00

    دولة الكانتونات " سوريا سابقًا "

    ورغم وجود العديد من المعوقات السياسية والاجتماعية والديمغرافية أمام مشروعات التقسيم إلا أن الحصاد المرير لسنوات الثورةالأربع والتدخلات الدولية والإقليمية جعل من مشروع التقسيم مسألة وقت لاغير

    29 أغسطس 2015 08:00:00

    إيران وتركيا.. والهدوء الذي يسبق العاصفة

    العداء التاريخي بين الدولتين العثمانية والصفوية طويل وعميق وما زال حاضرا بقوة في أذهان صانعي القرار في أنقرة وطهران.

    15 أغسطس 2015 09:07:00

    هل تشهد إيران تغييراً جذرياً جراء الاتفاق النووى؟

    اندماج إيران فى الاقتصاد العالمى سيؤدى إلى تغيُرات اجتماعية وسياسية, والمشكلة الحقيقية تكمن فى نجاح التيار الإصلاحى داخل إيران فى إحداث التغيير المنشود.

    13 أغسطس 2015 08:39:00

    الأرض تشتعل..ونتنياهو المسئول عن دعم التطرف

    يتحدث الكاتب"اسحق بن نير" في مقال بصحيفة معاريف عن مسئولية بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني عن تفشي ظاهرة قتل المستوطنين للفلسطينيين والاطفال، وأنه دعم اليمين المتطرف في إسرائيل.

    12 أغسطس 2015 08:45:00

    الإجابة ليست تونس

    في حكومة التوافق التي انضم إليها حزب النهضة التونسي لم يحصل الحزب إلا على مقعد واحد ضمن تشكيلة الحكومة حيث حصل زياد العذاري على منصب وزير التشغيل، ما يوزاي في مصر وزير القوى العاملة.

    10 أغسطس 2015 03:45:00

    هل تقوم إيران بتفجير اليمن ؟

    شهد الوضع العسكرى فى جنوب اليمن خلال الفترة الأخيرة تراجعاً ملحوظاً لميليشيا الحوثيين والرئيس الأسبق على عبد الله صالح

    08 أغسطس 2015 11:06:00

    إغلاق