سلسلة الرقابة الإدارية (2) مراحل الرقابة

نشرت: - 01:03 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 6158

media//_new_الرقابة الادارية.jpg

مصطفى محمد كريم

يقول الدكتور زكي محمود هاشم: (تعتبر الرقابة كالتخطيط تنظر إلى الأمام وتهدف إلى تلافي الأخطاء والانحرافات قبل حدوثها، وتسعى إلى تصديها، وتقدم الحلول لمعالجة المشاكل القائمة وتلافي تكرار حدوث الأخطاء أو الانحرافات)، لهذا عزيزي القارئ نكمل ما بدأناه عن مراحل الرقابة، فقد تكلمنا عن أُولى تلك الخطوات وهي وضع المعايير الرقابية، ونستكمل تلك الخطوات في هذا المقال وهي:

الخطوة الثانية: قياس الأداء الفعلي:

وهذه المرحلة مرهونة بالمرحلة السابقة فمن الصعب قياس الأداء الفعلى وتقويم مدى مناسبته دون أن يتوفر لدى المراقب "المعايير الملائمة الواجبة" السابق وضعها وإقرارها.

يقول الدكتور فايز الزغبي: (ويقصد بذلك القياس الفعلي لما تم إنجازه ومقارنته بالمعيار الرقابي إذا كان المعيار يتم التعبير عنه كميًّا أو نوعيًّا، وذلك لهدف اكتشاف مدى تطابق العمل الفعلي مع المعيار وتحديد مقدار الإنحراف إيجابيًا كان أم سلبيًا واكتشاف مسبباته وظروف حدوثه).

ويقول الدكتور كامل محمد المغربي: (إن قياس الأداء الفعلي المرحلة الوسطى من مراحل الرقابة الثلاث فقد تناولنا في المقال السابق مرحلة وضع المعايير وعلاقتها بوضح الأهدف والخطط، فوضع المعايير وتحديدها يعتبر خطوة حاسمة في حل العديد من المشاكل الإدارية).

ولذلك حتى تتم العملية الرقابية أو الإشرافية بشكل موضوعي يجب على المُراقِب أن يأخذ في حسبانه أيضًا عدة اعتبارات بخلاف اعتبار "سلامة المعايير الواجبة"، والتي من أهمها:

أ‌-    مراعاة نطاق الإشراف:

تقضي المبادئ الإدارية بأن يكون نطاق الإشراف الذي يقع تحت مسؤولية المُراقِب مناسبًا، وهذا الأمر بطبيعته مرهون بعوامل مختلفة مثل:

-         مدى كفاءة ومهارة وخبرة المراقب نفسه.

-         مدى تمركز المرؤوسين موضع المراقبة.

-         مدى درجة حداثة خبرة المرؤوس بمهارات الوظيفة التي يشغلها.

-         مدى فاعلية نظم الاتصال المتبعة بين المُراقِب والمُراقَب والمرؤوسين.

-         مدى درجة تجانس المهام التي يؤديها المرؤوسين موضع المراقبة.

ب‌-     مدى تفهم المرؤوسين مُقدَّمًا لأهداف المراقبة:

إن عدم الإلمام المُسبق للمرؤوسين بمبررات المراقبة على إنجازاتهم، والتفهم للكيفية التي ستتم بها، والأدوات التي سيستعين بها المراقبون في أداء إجراءاتها، كل ذلك يجعل عملية المراقبة عديمة الجدوى لأنها بهذه الصورة لن تحرز الأهداف المنشودة منها.

وهنا يظهر دور المدير المُراقِب حيث يقع على عاتقه مهمة تهيئة نفوس العاملين للمراقبة حتى يتقبلوا أي استفسار أو مناقشات تُثار معهم بتفاهم وارتياح.

هذا مع التأكيد للمرؤوسين أن هدف الرقابة لا يقتصر على مجرد اكتشاف سلبيات الأداء بقدر الاستفادة منها كمؤشرات واقعية تفيد في تطوير المعايير الرقابية اللاحقة، وكذلك عند إعادة التخطيط للفترات التالية.

ت‌-      أن يكون هناك حدة للخطأ المسموح به:

من الصعب عمليًّا أن يؤدي الفرد أعماله المطلوبة منه بدرجة صواب 100% على الدوام، لذلك لا يعيبه أن يرتكب بعض الهفوات أو الأخطاء بشرط أن تكون في الحدود المسموح بها (وذلك من حيث عدد مرات الخطأ، ونوعيته) حرصًا على مصلحة العمل؛ لأنه بتجاوزه لهذا الحد أو ذلك الهامش ستتحول هذه الأخطاء لسلوكيات تصبح لها صفة الاعتياد المسموح به وعندئذٍ قد تكتسب صفة عدم جواز المحاسبة عليها، ووسيلة المراقب في قيامه بعملية التقويم الفعلي لأداء مرؤوسيه تتم عادة من خلال كل من أسلوب:

1- المتابعة المباشرة (الحية) من خلال المشاهدة: وهذا الأسلوب يقضي بنزول المدير لمواقع العمل (الإدارة بالتجوال)، حيث يبدأ المراقب يتتبع بالملاحظة أداء كل مرؤوس على حدة أو الجماعة ككل، وقياس النتائج على أن يقارن ذلك بالمعايير الرقابية الواجبة سواء على مستوى الفرد، أو على مستوى الجماعة، فتتكشف له المعوقات أو الانحرافات الفعلية التي تتجاوز حدود السماح، وهي التي يستحق عنها عندئذ المساءلة وتوقيع العقاب المناسب.

2- المتابعة المباشرة الآلية من خلال الكاميرات: وهذا الأسلوب يتم بموجب المُراقِب، ولكن من مكتبه من خلال جهازه الآلي الموصل بكاميرات مركبة بمواقع العمل، ولذلك يعتبر هذا الأسلوب مباشرًا أيضًا في المراقبة.

وهناك سمة اختلاف بين المراقبة الحية بالعين والأخرى الآلية، وهو أن الأسلوب الأول يُتيح الفرصة للمراقب أن يتناقش مباشرة مع المرؤوس ويستمع إليه ويتبادلان، وجهات النظر في نقاط الاختلاف، مما يجعل منها وسيلة جيدة للاقتناع بوجهة النظر الصحيحة في النهاية وبالتالي سرعة الاستجابة للتصحيح.

وأهم ما يعيب هذا الأسلوب هو طول الفترة المستغرقة في عملية التقويم والمناقشة مع المرؤوسين مما قد يؤثر على وقت وحجم العمل المتبقي سواء للمدير أو للمرؤوس.

أما الأسلوب الثاني للمراقبة، وهو ما يتم بواسطة الكاميرات فهو يُعد أكثر توفيرًا لكل من وقت وجهد المدير المراقب، كما أنه يتيح له فرصة الاحتفاظ بالمعلومات لديه بالحاسب ومن ثم سرعة استردادها وقت الحاجة إليها.

ولعل أهم ما يُؤخذ على هذا الأسلوب افتقاده لعنصر المناقشة المباشرة بين المدير والمرؤوس عن نقاط الصعوبات التي تعتري الأداء مما يقلل من درجة حماس واستجابة المرؤوسين عند تلقي أي توجيهات أو قرارات تصدر لهم دون سابق مناقشة.

وعملية المراقبة الفعلية هنا يمكن أن تُؤدى بواسطة الرئيس (أي المدير)، أو يُمكِن أن يُخصِّص لها مُشرفين متفرغين ومسؤولين عن متاعبة التنفيذ كالمهندسين، ومُشرفي العمال وغيرهم.

3- المراقبة غير المباشرة: وهي تلك التي تتم من خلال:

أ‌-     التقارير المكتوبة التي قد يُعدُّها المرؤوس بنفسه لرئيسه.

ب‌-    التقارير المكتوبة أو الشفهية التي تُعد بمعرفة المُشرِف والتي يرفعها ويبلغ بها مديره المباشر الذي يعمل تحت رئاسته.

ويعد أسلوب التقويم من خلال التقارير أفضل من كل من النوعين السابقين لأن التقويم هنا يكون مُتأنيًّا وأدق وأكثر واقعية؛ باعتباره صادرًا من المرؤوس نفسه أو من المشرفين المتخصصين.

وتعد التقارير المكتوبة أفضل من مثيلتها الشفهية لأنها تتمتع بمنزلة مصادر مُوثقة يمكن الاحتفاظ بها واستعادة معلوماتها الواقعية عند الحاجة.

الخطوة الثالثة: تصويب الانحرافات:

وترتبط هذه المرحلة ارتباطًا وثيقًا بنتائج مخرجات القياس للمرحلة السابقة، وهي تلك المرحلة التي عادة ما تُسفر عن واحد من النتيجتين التاليتين: بمعنى إذا ما جاءت النتائج:

-   إيجابية: أي أن الانحرافات قد جاءت في ظل التجاوزات المسموح بها فعندئذٍ لا يكون هناك مبررًا للقيام بالمرحلة الثالثة المسؤولة عن تصويب الانحرافات.

-   أو سلبية: أي أن هناك انحرافات تجاوزت الحدود المسموح بها فإن ذلك يكون مبررًا لاستكمال إجراءات العملية الرقابية، وبالتالي القيام بالمرحلة الثالثة التي هدفها الإصلاح للانحرافات بهدف إعادة سير العمل لمساره الصحيح وفقًا للخطة.

وهنا يستوجب الأمر تبعًا لمرحلة تصويب الانحرافات الالتزام باعتبارات رئيسة من أهمها:

·  حصر أسباب الانحراف توصلًا للسبب الرئيسي أو المشكلة الأساسية بالأساليب العلمية المناسبة (والتي يُذكر منها في هذا الشأن نموذج تحليل عظمة السمكة لصاحبها الياباني إيشكاوا الذي يفيد كثيرًا في الوصول للمسببات الفرعية ومن ثم تشخيص المشكلات الإدارية)، وعندئذٍ تكون الإدارة قد نجحت في وضع يدها على أُولى خطوات العلاج؛ بتشخيصها الصحيح للداء الرئيسي المسبب لهذه السلبيات.

·       توافر الصلاحيات الإدارية التي تسمح بتصحيح الانحرافات.

والموقف العلاجي للانحرافات لا ينبغي أن يقتصر على الحلول السريعة فقط بل يجب أن تلاحقها الحلول الجذرية طويلة الأجل لضمان القضاء على الانحراف في الوقت الحالي وأيضًا اللاحق.

هذا مع ملاحظة أيضًا أن الانحرافات محل التصحيح ليست بالضرورة أن تكون كلها ممن تقع في نطاق مسؤولية المرؤوس حتى تكون محل محاسبته عليها؛ لأن الكثير منها عمليًا قد يكون راجعًا للإدارة نفسها مثل مبالغتها في الأهداف التي أقرتها، أو في المعايير التي فرضتها على العاملين بالمنظمة والمتعاملين معها، أو بسبب عدم مناسبة المواد والإمكانات المتاحة والمرتقبة.

ويأتي بعد تحديد الإدارة للمشكلة الرئيسية المؤدية لهذه الانحرافات تأتي المبادرة باقتراح الحلول البديلة الممكنة بشرط أن تتلاءم، وظروف وإمكانات المنظمة المادية والبشرية، على أن يُفاضل بينها ويتم اختيار الإجراءات السريعة التي تفيد في حل هذه المشكلة بشكل فوري، وكذلك بحث الوسائل التي تكفل تجنب تكرارها في الآجال الأطول لتقليص التكاليف المباشرة وغير المباشرة التي تنجم عن تكرار هذه الإنحرافات.

يقول الدكتور كامل محمد المغربي: (تعتبر عملية تصحيح الأخطاء والانحرافات ما بين النتائج الفعلية والنتائج المطلوبة المرحلة الأخيرة لوظيفة الرقابة، فعملية تصحيح الأخطاء والانحرافات هي التي تعطي وظيفة الرقابة معناها المتكامل، حيث أن الاجراءات المتخذة ما هي إلا نتيجة للقرارات التي يتخدها المسؤول بناءً على التقارير الرقابية، إلا أن عملية الرقابة لا تُعطي ثمارها من جراء المقاييس أو مقارنة الانتاج الفعلي بالمقاييس الموضوعية، بل من جراء اتخاذ القرارات الضرورية لتصويب الأعمال الفعلية وإغلاق الفجوة بينها وبين المعايير المرغوبة).

هذه عزيزي القارئ كانت خطوات ومراحل الرقابة الإدارية على المنظمات، وأخيرًا ننصح بأن على الإدارة أن تتحلى دائمًا بالنشاط والفاعلية بمعنى ألا تظل حبيسة غرفتها حتى تطفو الشكاوي والمشكلات على سطح المكتب لكي تهم بدورها العلاجي بل يجب عليها تخصيص جزء من وقتها وعملها باستمرار نحو التحري والتنقيب والبحث عن أي بوادر لثغرات أو انحرافات يمكن أن تعتري مواردها البشرية (العاملين) أو المادية (الأصول المختلفة) أو معاملاتها التجارية المنجزة لتسارع بدراستها وتحليلها واقتراح أوجه العلاج الملائمة قبل تفشي تكرارها.

أهم المراجع:

1- مبادئ إدارة الأعمال، أ.د.أحمد بن عبد الرحمن الشميمري، أ.د.عبد الرحمن بن أحمد هيجان، د.بشري بنت بدير المرسي غنام.

2- الرقابة على أعمال الإدارة، د.سامي جمال الدين.

3- الرقابة الإدارية في منظمات الأعمال، د.فايزالزغبي.

4- أساسيات الإدارة، د.زكي محمود هاشم.

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    فيديو..غارات جوية لليوم الثاني على التوالي على صنعاء من عملية "عاصفة الحزم"

    غارات جوية لليوم الثاني على التوالي على صنعاء من عملية "عاصفة الحزم"

    27 مارس 2015 12:50:00

    كيف وصلت وثائق اسخباراتية يمنية خطيرة إلى أيدي الإيرانيين؟

    يقول مسؤولون أمريكيون إن المتمردين الشيعة في اليمن (الحوثيين) نهبوا ملفات استخباراتية سرية تحوي تفاصيل العمليات الاستخباراتية الأمريكية في البلاد كانت بحوزة قوات الأمن اليمنية، وكشفوا عن أسم

    27 مارس 2015 12:30:00

    ملك المغرب يجدد دعم بلاده لـ"العاصفة حزم" في اتصال مع خادم الحرمين

    ملك المغرب يجدد دعم بلاده لـ"العاصفة حزم" في اتصال مع خادم الحرمين

    27 مارس 2015 12:10:00

    الحوثيون يخسرون مواقع عسكرية جنوبي اليمن

    خسر الحوثيون وحدات عسكرية موالية لهم ومعسكرات جنوبي اليمن، إثر مواجهات مع قوات موالية للرئيس عبد ربه منصور هادي في عدن.

    27 مارس 2015 12:00:00

    "النايل سات" يكشف حقيقة قطع البث عن قنوات حوثية

    نفى مصدر مسئول بالشركة المصرية للأقمار الصناعية "النايل سات"، الأخبار التى بثتها وكالات الأنباء العالمية عن قطع الشركة البث عن عدد من القنوات اليمنية، وأن قطع الإرسال حدث من المصدر نفسه.

    27 مارس 2015 11:50:00

    لماذا لم تَدْعُ مصر "إسرائيل" للمؤتمر الاقتصادي؟!

    ويبدي الكاتب استغرابه من عدم دعوة الحكومة "الإسرائيلية" للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي، ويؤكد أن ما ينقص مصر هو أن يتجول "الإسرائيليون" مستثمرين وسياحًا في الشوارع المصرية.

    25 مارس 2015 09:53:00

    دلالات التقارب المصري مع الانقلابيين الحوثيين

    العقلاء من الخبراء الإستراتيجيين يعتبرون أن خطر الحوثيين أصبح الآن أكبر من خطر تنظيم "داعش"، نظرًا للدعم الإيراني للحوثيين من خلال سيطرتهم على أهم المناطق الحيوية باليمن.

    23 مارس 2015 11:45:00

    قاسم سليماني.. والي العراق الجديد

    "اسمي "قاسم سليماني"، فلتعلم أنني أنا من يسيطر على السياسات الإيرانية في العراق ولبنان وغزة وأفغانستان".

    21 مارس 2015 10:27:00

    "مفكرة الإسلام" تكشف تصاعد المد الشيعي في موريتانيا ودور إيران

    على مدار تاريخها الطويل لم يكن للتشيع نفوذ على أرض موريتانيا، فهي تاريخيًّا أرض سنية مالكية المذهب، ولكن تطورات سياسية لاحقة هي التي قادت إلى تنامي نفوذ التشيع...

    19 مارس 2015 10:44:00

    تصريحات البشير عن الإخوان.. المصالح أولى

    ويخشى البشير أن يحسب نظامه الحاكم في السودان على الإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي في ظل الجهود التي تبذلها الإمارات ومصر ودول خليجية أخرى للقضاء على القوى الإسلامية

    17 مارس 2015 09:26:00

    "إسرائيل" وسياسة عقاب المعتدى عليه

    أكد الكاتب "الإسرائيلي" عميرا هاس أن العنصرية بصورتها الكاملة والمثلى تجلت داخل "إسرائيل"، وأبرز مثال لذلك في مدينة الخليل حيث يقوم المستوطنون اليهود بتدمير منازل العرب وثقافتهم.

    15 مارس 2015 01:30:00

    إغلاق