لغة التفاوض

نشرت: - 05:37 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 3337

media//version4_worlds-fastest-train-.jpg

مصطفى كريم
"إن الكلمات التي أقولها أو أكتبها؛ تمهد الطريق الذي أمشي عليه" ديان جلانسي [البرمجة اللغوية العصبية في العمل، سو نايت، ص(105)]
هل تعلم ـ عزيزي القارئ ـ بأن جميع البشر يستخدمون اللغة؟ ربما تعجب بل وتتساءل: وماذا عن الأطفال الذين لم يتحدثوا بعد؟ أو من لم يرزقهم الله نعمة الكلام؟
وهنا دعني أقول لك أن اللغة كلمة تشمل أنواعًا عديدة، وأشكالًا مختلفة، فربما لا يجيد الطفل الصغير الكلام، ولكنه يعبر عما يريد بالبكاء مثلًا، بينما يعبر الأبكم بالإشارة، وكل هذه أنواع وأشكال متعددة من اللغة.
وسوف نركز هنا على اللغة المنطوقة، والتي نعبر عنها من خلال الكلمات، ولكن حتى تكون تلك اللغة أكثر تأثيرًا فلابد أن تعلم ـ عزيزي القارئ ـ أنه حتى تكون تلك الكلمات مؤثرة فلابد من استخدام مستويات الاتصال المختلفة، حيث ذكرت إحصائية علمية [جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، نقلًا عن: البرمجة اللغوية العصبية وفن الإتصال اللامحدود، د.إبراهيم الفقي، ص(124-125)] أن نسبة تأثير مستويات الاتصال المختلفة كالآتي:
1.حركات الجسد والوجه: وهي تؤثر بنسبة تصل إلى (55%)، ونعني بها الحركات التي تصدر من جسدك ووجهك أثناء الكلام، هي سلوكك التعبيري؛ مثل حركات اليدين، وانفعالات الجسد، وبريق العينين، بل وحتى تنفسك، وهذه هي أعلى مؤثر في الشخص.
2.نبرات الصوت: وهي تؤثر بنسبة (38%)، وتشتمل على علو الصوت أو انخفاضه، حدته أو غلظته، قوته أو ضعفه، كمؤثرٍ ثانٍ في الإنسان
3.   الكلام نفسه: وهي تؤثر بنسبة (7%) فقط، وهي نفسها وترتيب الجمل.
ولذا؛ فمن المهم جدًّا أن تحرص على لغة الحواس، وأن تخاطب حواس الشخص المختلفة لتصل إلى أعلى تأثير فيه.
وسوف نركز بشكل أكبر خلال هذا المقال والمقالات اللاحقة على كيفية صياغة الأسئلة التفاوضية، حيث نتعرف على أهمية تلك الصياغة وتأثيراتها التفاوضية، وأنواع تلك الأسئلة، وتؤثر هذه المهارات المتعددة في عملية التفاوض؛ فإن أكثر إشكاليات عملية التفاوض صعوبة هو كيفية الصياغة اللغوية للسؤال التفاوضي.
 لغة الحواس:
ولكن قبل الانطلاق في استراتيجيات التفاوض وتأثير اللغة عليها وكيفية صياغة الأسئلة التفاوضية، لابد من إدارك حقيقة هامة، وهي أن البشر مختلفون، فكل إنسان يمثل كائنًا فريدًا، يختلف عن غيره، ولذلك دلائل عدة.
فليس هناك شخصان يحملان نفس الطباع بشكل متطابق، كما أنهما لا يمكن أن يحملا نفس بصمة الأصابع، ولذا فإن استقبال كل إنسان للكلمات والتعبيرات تختلف باختلاف شخصيته؛ ولذا لابد أن تتعرف أولًا على لغة الحواس أو ما يعرف بالأنظمة التمثيلية الثلاث.
فكما هو معروف فإن حواس الإنسان خمسة وهي الإبصار والسمع والإحساس والتذوق والشم، إلا أنه لكل إنسان حاسة تغلب على بقية الحواس، فبعض اناس تغلب عليه حاسة الإبصار، فيتأثر بالصور والمناظر، ولذا حينما يشتري أمرًا فإن أول ما يسترعي انتباهه هو الشكل واللون والتغليف وهكذا،يغلب على كلامه كلمات فيها صور ونظر، مثل: (أرى، أنظر، أتصور، مشرق، مضيء، قاتم)، ويسمى هذا الشخص بالشخص ذو النظام التمثيلي البصري.
بينما الشخص ذو النظام التمثيلي السمعي، تغلب عليه حاسة السمع، فيركز على الكلام، وعلى طريقة الآخرين في الكلام، يسمع أكثر مما يتكلم، ويخرج الكلمات بدقة وحساب، وغالبًا ما تجد لغته مستقيمة عن غيره، فحينما يشتري كتابًا يركز على محتواه، وحينما يشتري أي شيء يركز على مزايا هذا الشيء وعيوبه ومحتواه، ويغلب على كلامه كلمات فيها كلام وسمع؛ مثل: (أسمع، أنصت، أتكلم، أتحدث، رنين، ضوضاء، إزعاج، طرق، صوت، صراخ).
أما الشخص ذو النظام التمثيلي الحسي، فإن الحاسة الغالبة هي الإحساس، ويدخل تحتها الشم والتذوق، وأهم ما يركز عليه هذا الشخص هو الأحاسيس ويهتم بمشاعر الآخرين، وتأثير قراراتها وكلماته عليهم، تجد في كلماته الأحاسيس والمشاعر، مثل: (أشعر، أحس، ألم، سعادة، راحة، فرحة، ضيق).
اللغة والتفاوض:
لاشك في أن المفاوض الجيد لابد أن يتمتع بقدرة فائقة على استخدام اللغة بمفراداتها المختلفة مع قدرته على معرفتها والاستجابة للكلمات والإلفاظ بشكل فعال، ومن أشهر النماذج المستخدمة ما يعرف بـ:
Meta Model أو النموذج البعدي:
هل سمعت من قبل عن البرمجة اللغوية العصبية أو (NLP)؟ إنها علم من وضع كل من باندلر وجرندير، ويدرس اللغة ومدى تأثيرها على الجهاز العصبي للإنسان وإدراكه لمعنى ومغزى تلك الكلمات.
قام كل من باندلر وجرندير بإنشاء وتطوير النموذج البعدي أو Meta Model والذي يتكون من مجموعة قوية وفعالة من الأنمطا اللغوية والتي يتم ربطها بالتجارب الحسية التي تمثلها مما يعمل على توضيح وتحديد المعاني.
ما هو النموذج البعدي؟
قبل معرفة هذا النموذج، دعني أضرب لك مثالًا، هل قمت بالتواصل من قبل مع صديق لك وأساء فهم كلماتك، ربما قصدت من تلك الكلمات أن تمدحه مثلًا فشعر أن فيها إهانة؟
هل طرحت من قبل فكرة على صديق لك فرفضها، ولكنك وضحتها له بصورة أعمق فوافق عليها؟
بالطبع جميعنا مر بإحدى المثالين السابقين أو ربما كليهما، ولكن ما السبب في سوء الفهم في المثال الأول؟ وما الذي دفع صديقك لتقبل فكرة رفضها أول الأمر؟
وهنا تبرز أهمية (Meta Model).
فمن خلال هذا النموذج يستطيع المتحدث أن يعطي للمستمع الصورة الكاملة للغته وإدراكه للتجربة ويعطيه فرصة كاملة لكي يفهم تمامًا ما يقصده، وهنا يختفي سوء الفهم، وهنا تدرك لماذا حينما وضحت الفكرة لصديقك استجاب لفكرتك ووافق عليها.
وحتى تدرك ـ عزيزي القارئ ـ هذا النموذج بعمق لابد من التفريق أولًا بين المضمون السطحي للكلمات والمضمون العميق لها.
المضمون السطحي (Surface Structure) أو (SS) [دليل الممارس المعتمد للبرمجة اللغوية العصبية، د.إبراهيم الفقي، ص (99)].
ويتضمن الاتصال بالكلمات أو الكتابة وهو يمد المستمع بمعلومات هامة عن المتحدث وكيف يدرك ويمثل عالمه وكيف ومتى تحدث عملية التخيل والتعديل، وعن طريقه يستطيع المتسمع أن يتعرف على النظام التمثيلي اللغوي للمتحدث وأيضًا يستطيع التعرف على المعلومات التي يلغيها المتحدث من لغته والقيود التي يحد بها من نفسه.
المضمون العميق (Deep Structure) أو (DS) [دليل الممارس المعتمد للبرمجة اللغوية العصبية، د.إبراهيم الفقي، ص (99)].
ويتضمن اللغة غير الملفوظة، فعندما تبدأ في ربط الشخص بتجربته الحقيقية فإنك تملأ الفراغات الموجودة، والتي قد تكون السبب في الخلافات التي حدثت مع هذا الشخص، وأيضًا تساعده على اكتشاف القيود التي وضعها على نفسه والتي قد تتسبب في عدم تقدمه وفي الخلافات التي تحدث بالاتصال مع الآخرين، وتشمل تعبيرات الوجه وحركة الجسم والتنفس.
طرق الـ (Meta Model):
يتميز هذا النموذج بأنه يميل إلى تبسيط التجارب من خلال ثلاث طرق في محاولة لاستخلاص المعنى من التجربة أو المعلومة التي وردت وهذه الطرق هي:
1.   الإلغاء: ونعني به حذف المعلومات.
2.   التحريف: ونعني به خلق معنى جديد من خلال التركيز على بعض المعلومات وتجاهل البعض الآخر.
3.   التعميم: ونعني به أن نتصور رؤية واسعة وشاملة للمعلومة أو التجربة.
وسوف نتعرف في حلقات قادمة عن تلك الطرق بالتفصيل إن شاء الله.
المصادر:
·       دليل الممارس المعتمد للبرمجة اللغوية العصبية، د.إبراهيم الفقي.
·       جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس.
·       البرمجة اللغوية العصبية وفن الإتصال اللامحدود، د.إبراهيم الفقي.
·       البرمجة اللغوية العصبية في العمل، سو نايت.
 

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق