أين أنت الآن: الرئيسية

>>

مختصر الدروس

عمل الدنيا لا ينافي عمل الآخرة

نشرت: - 12:00 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 13947

media//_new_toallah.jpg

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد،،،


عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيْ أَخِي أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالا فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَدَلُّوهُ عَلَى السُّوقِ فَذَهَبَ فَاشْتَرَى وَبَاعَ وَرَبِحَ فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ [ وفي رواية : ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ –أي: داوم الذّهاب إلى السوق للتجارة- ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ [ أي أثر ] زَعْفَرَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَهْيَمْ]- أي ما شأنك- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ: [مَا أَصْدَقْتَهَا] قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: [أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ] قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً . رواه البخاري وأحمد-واللفظ له-.


 


في هذا الحديث:


1- اشتغال بعض الصحابة بالتجارة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقريره على ذلك.


2- وأن الكسب من التجارة ونحوها أولى من الكسب من الهبة ونحوها .


3- وترجيح الاكتساب بنفسه بتجارة أو صناعة.


4- وفيه مباشرة الكبار التجارة بأنفسهم مع وجود من يكفيهم ذلك من وكيل وغيره .


 


عدد من المسلمين المخلصين إذا نظروا في أمر الإسلام والدين، ثم التفتوا إلى أمر دنياهم وأعمالهم ووظائفهم، وتجارتهم، ودراستهم؛ وجدوا تناقضًا، وأحسّوا بالإثم، ورأوا تعارضًا بين ما هم فيه من أمور الدنيا، وبين القرآن والسنة .


 


وهذا الشّعور: قد يكون نتيجة لتصوّر خاطئ، وقد يكون نتيجة لممارسة خاطئة، وعمل محرّم، فالذين يعملون في المحرّمات: وظيفة، وتجارة، ودراسة؛ شعورهم بالتعارض حقيقي وصحيح، ويجب أن يحصل؛ لأنّهم يعملون في مجال محرّم مناف للدين، وتصير أمور دنياهم مخالفة لأحكام دينهم، فيجب على هؤلاء ترك المحرّمات التي هم فيها واقعون .


 


ومن المسلمين من يشعر بالتعارض؛ لأنّه غلّب جانب الدنيا على جانب الدّين في الاهتمام والعمل، فغبن نفسه، وفوّت عليها حسنات كثيرة لو حصّلها؛ لارتفع عند الله في الآخرة .


ومن المسلمين من يرون التعارض لخطأ في التصوّر لقضية طريق الدنيا وطريق الدين، فهؤلاء ينبغي أن يُبصروا ويفقهوا؛ ليزول اللبس، فلا يتعذّبون، ويعملون وهم في راحة.


 


زعم خاطيء: ويصرّ البعض على زعم أنّ العبادة تتعارض مع الاكتساب والعمل في الصناعة، والتجارة، والزراعة، وأنّ من أراد الآخرة، فلا بدّ أن يطلّق الدنيا طلاقًا باتّا حتى يَصْلُح قلبه، وأنّ الصحابة لم يفتحوا البلدان إلا بعد أن تركوا الدنيا، وتفرّغوا تمامًا للجهاد .


 


وهذا الكلام فيه تعسّف ومنافاة لمصلحة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، وبعيد عن الحكمة والعقل السليم والواقع، وهو مغاير قبل ذلك كله لحال الصّحابة رضي الله عنهم، ولتبيّن الموقف سننظر فيما جاءت به الشريعة من الأحكام في العمل الدنيوي والكسب أولًا ، وكيف طبّق الصحابة ذلك في حياتهم ثانيًا.


 


أولًا: حكم الشريعة في العمل الدنيوي:


قال الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[77]}[ سورة القصص].


وقوله:{ وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن والمناكح؛ فإن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، فآت كل ذي حق حقه.


 


وقال الحسن وقتادة:' معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك'. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه .


قال ابن العربي:وأبدع ما فيه عندي قول قتادة:ولا تنس نصيبك الحلال ، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا .


 


وعن كعب بن عجرة قال مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحاب النبي صلى الله  عليه وسلم من جلده ونشاطه ما أعجبهم فقالوا يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله فقال رسول الله  صلى الله  عليه وسلم: [ إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَينِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيَنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ] رواه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان- صحيح الجامع 1428.


 


وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ] رواه البخاري ومسلم.


بل حتى في مواسم الحجّ وهو الرّكن العظيم من أركان الإسلام أباح الشارع الحكيم التجارة فيه لعلمه بحاجات العباد وما يُصلحهم، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:'كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الإِسْلامُ تَأَثَّمُوا مِنْ التِّجَارَةِ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ... [198] } [سورة البقرة].أي:فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ' رواه البخاري.


 


ثانيًا: الامتزاج بين الدنيا والآخرة في حياة الصحابة:


 


1- الزراعة وطلب العلم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ:'كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ'رواه البخاري. وفيه: أن طالب العلم يجعل لنفسه وقتا يتفرغ فيه لأمر معاشه وحال أهله .


 


وهذا أَنَسٌ رضي الله عنه كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ فِيهَا رَيْحَانٌ كَانَ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ' رواه الترمذي وحسنه.


 


2- رعي الغنم:عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ الْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلاةَ يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّة] رواه النسائي وأبو داود وأحمد.


 


3- التجارة: قال الله تعالى:{...وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ...[275]}[سورة البقرة]. وقال عن التجارة الدّولية والنقل البحري:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ...لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[164]}[سورة البقرة]. وقال تعالى:{...وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[12]}[سورة فاطر]. وقال البخاري رحمه الله تعالى في 'صحيحه': [ بَاب: الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى{فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} كتاب البيوع: باب: الخروج في التجارة]


 


قال ابن المنيِّر:'غرض البخاري إجازة الحركات في التجارة ولو كانت بعيدة خلافًا لمن يتنطع ولا يحضر السوق...'. وسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَفْضَلِ الْكَسْبِ فَقَالَ: [بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ] رواه أحمد.


ونقل ابن حجر رحمه الله:'وَقَدْ أَخْرَجَ الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي ' الْمُوَفّقِيّات ' مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة قَالَتْ ' خَرَجَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَاجِرًا إِلَى بِصَرَى فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا مَنَعَ أَبَا بَكْر حُبّه لِمُلَازَمَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا مَنَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبّه لِقُرْبِ أَبِي بَكْر عَنْ ذَلِكَ لِمَحَبَّتِهِمْ فِي التِّجَارَة ' هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ.


وعَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  ]اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا[ قَالَ وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجة والدارمي وأحمد.


 


وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ] رواه البخاري ومسلم.


 


فهذه الشّريعة الإسلامية المباركة بمبادئها المبثوثة في القرآن والسنّة، وبالتطبيق العملي لها من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه: تحثّ على العمل للدنيا والآخرة، وتذمّ البطالة والكسل ومدّ اليد إلى الناس .


 


إنّ قضية الفصام بين طريق الدنيا وطريق الآخرة جعلت عامل الاحتساب يغيب عند الكثيرين الذين ضاقت عقولهم عن استيعاب أن ينوي الإنسان بعمله الدنيوي وجه الله، ففقدوا أجرًا عظيمًا كان يمكنهم تحصيله لو احتسبوا الأجر في أعمال دنيوية، وأرادوا بطعامهم ونومهم وإتيانهم اللذات المباحة الدار الآخرة:'إني لأحتسب نومتي كما احتسب قومتي'.


 


الضوابط الشرعية للأعمال الدنيوية:


عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: [اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي] رواه البخاري ومسلم . وفي رواية قَالَ: [كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي].


فالدنيا تشغل شغلًا لابدّ منه، والتفرّغ للعلم أو العبادة نادر، وكثيرًا ما يكون شاقّا حتى في العهد الأول، ويحدّثنا عن ذلك أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فيقول :' إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو:{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ[159]إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[160]}[سورة البقرة]. إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ'.


 


ويقول أيضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:'إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُونَ مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنْ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: [ إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلا وَعَى مَا أَقُولُ] فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ. رواه البخاري ومسلم .


 


فمسألة التفرّغ هذه قد لا يُطيقها في عصرنا إلا من كان لديه إرث كبير، أو عقار دارّ لا يحتاج إلى مزيد متابعة، أو قريب ينفق، أو جهة خيرية تدعم وتَمد،ّ وهذا مهمّ للتفوّق والنبوغ في العلم- مثلًا-لأنّه كثير لو أعطيته كلّك أعطاك بعضه، ثمّ ليس كلّ النّاس، ولا أكثرهم عندهم الأهلية للنبوغ في العلم، ولنرجع للكلام على الأعمّ الأغلب من الناس: هل يُمكن أن يُمارس الإنسان أعمالًا أخروية من خلال عمل دنيوي: إليكم هذه القصّة:


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءهُ فِي حَرَّةٍ [ الأرض الصلبة ذات الحجارة السوداء ] فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ [ والشّراج مسايل الماء ] قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلانٌ لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ لاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ] وفي رواية: [وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ] رواه مسلم.


 


ففي هذا الحديث: فضل الصدقة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل, وفضل أكل الإنسان من كسبه, والإنفاق على العيال . إذن: من الخطأ أن نتصوّر أن العمل الدنيوي منفصل تمامًا عن عمل الآخرة، وأنّه لا يُمكن احتساب شيءٍ أُخْروي من خلال العمل الدنيوي.


 


ولكن الأعمال الدنيوية إذا لم تنضبط بضوابط الشّرع كانت وبالًا على صاحبها، فما هي التوجيهات التي وردت في الشريعة بشأن هذا الموضوع ، إليكم بعضُها:


 


1- الإيمان بحقارة الدنيا وتفاهتها: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ] رواه الترمذي وابن ماجة.


فقوله: [ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ] أي: مبغوضة من الله لكونها مبعدة عن الله [مَلْعُونٌ مَا فِيهَا] أي مما يشغل عن الله .[ إِلا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالاهُ] أي أحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب .


 


2- الزهد في الدنيا، وعدم تعلّق القلب بها: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا...]رواه ابن ماجة. فإذا كانت الأموال بمثابة الحمار الذي يركبه، فهذا ليس متعلقًا بالدنيا مع متاجرته وعمله. وسئل الإمام أحمد أيكون الرجل زاهدًا وعنده مائة ألف؟ قال:' نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت'.


 


3- عدم الانشغال بها عن الآخرة: قال تعالى:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ... [37] } [سورة النور]. وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[9]}[سورة المنافقون]. ، يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها، وزينتها، وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم؛ لأن ما عندهم ينفد، وما عند الله باق.


 


عن ابن مسعود أنه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله بن مسعود هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ...[37]}[سورة النور]. وهكذا عن عبد الله بن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر:' فيهم نزلت :{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ...[37]}[سورة النور].' . وقال مطر الوراق:' كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه، وأقبل إلى الصلاة'.


 


4- القناعة:


نصيبك مما تجمع الدهرَ كلَّه  رداءان تُلوى فيهما وحَنوطُ


وقال آخر:


هي القناعة لا تبغي بها بدلًا    فيها النعيم وفيها راحـة البـدن


انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها  هل راح منها بغير القطن والكفن


 


5-  ترك محرّماتها، وعدم الافتتان بزخرفها: قال تعالى:{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى[131]}[سورة طه].


 


6-إخراج حقوق الله من ممتلكاتها: تسليم حقّ المال: زكاة المال والزّرع:{...وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ...[141]}[سورة الأنعام]. النفقات الواجبة على الزوجة والأولاد والوالدين المحتاجين والصدقات:{ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا...[245]}[سورة البقرة].


 


7- الالتزام بالأحكام الشرعية في الاكتساب والإنفاق: وهي لما أباحت أنواع المكاسب الطيّبة جعلت ضوابط، وحدّت حدودًا من تعدّاها في عمله الدنيوي؛ وقع في المحظور، ودخل في الذمّ والوعيد، فمن ذلك: أن لا يعمل محرّمًا، ولا يبيعه كخمر، وخنزير، ولا يغشّ ، ولا يحتكر .


وجاءت الشّريعة كذلك بتحريم المضارة بالآخرين، وتحريم الدّخول في الوظائف المحرمة، وتحريم بيع المحرمات، ومنع تأجيرها، واستيفاء الشروط الشرعية في البيع: كالتراضي، وتحديد الثمن، وأن لا يبيع ما لا يملك...وهكذا. وعدم مخالفة ذلك، وعدم الإنفاق في المحرمات؛ لا شراءً ولا استئجارًا .


 


8- حسن القصد والنيّة الحسنة: بأن يقصد بتجارته وجه الله، لا الأشر، ولا البطر، ولا التفاخر، ولا التكاثر، وأن يقصد إعفاف نفسه عن سؤال الناس، والاستغناء عن الخلق، والإنفاق على نفسه وأهله، وكلّ من تلزمه نفقتهم من الأقارب، وصلة الرحم، وأداء حقّ المال من الزكاة والصّدقة، والإنفاق في كلّ ما يحبّه الربّ .


 


من:'عمل الدنيا لا ينافي عمل الآخرة'للشيخ/ محمد بن صالح المنجد


 


 

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق