أين أنت الآن: الرئيسية

>>

المستشار

>>

أطفالنا

عفواً..لا تربي وأنت غاضب!

نشرت: - 12:06 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 669

media//version4_589412355412.jpg

أعزائي القراء والمربين

عندما نربي أبنائنا..نمارس أعظم الأدوار الإنسانية التي كلف الله بها الإنسان، لذلك لا ينبغي أن تسير عملية التربية بطريقة ارتجالية حسبما تسير المواقف اليومية في حياة المربي أو الأبناء، بل يجب أن تفكر جيداً في الأثر الذي سيتركه تصرفك خصوصاً في حالة الانفعال الغاضب على طفلك، يقول "دوج باين":(يعتمد النجاح في تربية ولدك على قمعك لانفعالاتك، فالطريقة التي تتصرف بها والاتجاه الذي تأخذك إليه عواطفك يمكن أن يكونا متعارضين مع مصلحة طفلك)  - الآن أنت أب:كريم الشاذلي،ص:66-

والملاحظ أنه في غياب برمجة إيجابية للسلوك والمواقف التربوية في حياة الأمهات والآباء إزاء السلوكيات المزعجة أو الخاطئة والمرفوضة من أبنائهم، تكون احتمالات الانتقال إلى الأفعال وردود الأفعال المصاحبة للغضب والتوتر والتي عادة ما تكون سلبية وغير بناءة بشكل أكبر من التصرف بمقتضى الغضب عند وقوعه.

فتعالوا – أعزائي المربين – لنحول ساعات التربية التي نقضيها مع أبنائنا من متنفس لضغوط الحياة التي نعانيها لا ذنب للأبناء فيها، إلى أوقات ممتعة ومثمرة في حياة الأسرة كلها، وذلك من خلال تعلم إدارة الغضب..

وبداية:ما هو الغضب ؟

جاء في لسان العرب: الغضب نقيض الرضا، وقال ابن عرفة: الغضب من المخلوقين، شيء يداخل قلوبهم، ومنه محمود ومذموم، فالمحمود ما كان في جانب الدين والحق، وما كان في معرض التقويم والإصلاح، والمذموم ما كان في خلافه.

وماذا يحدث عندما نغضب؟

 يثور انفعال لا إرادي، يهيّج الأعصاب ويحرّك العواطف، ويعطّل التفكير، ويفقِد الاتزان، ويزيدُ في عمل القلب، ويرفعُ ضغط الدم، ويزداد تدفقه على الدماغ، وتضطرب الأعضاء ويظهر ذلك بجلاء على ملامح الإنسان، فيتغير لونه وترتعد فرائسه، وترتجف أطرافه، ويخرج عن اعتداله، وتقبح صورته، ويخرج عن طوقه فاٍن لم يكبح جماح نفسه.. تفلّت لسانه فنطق بما يشين من الشتم والفحش، وامتدت يده لتسبقه إلى الضرب والعنف.

وأثناء انفعال الغضب يزيد عدد ضربات القلب في الدقيقة الواحدة فيضاعف بذلك كمية الدماء التي يدفعها القلب أو التي تخرج منه إلى الأوعية الدموية مع كل نبضة؛ مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وزيادة إفراز الأدرينالين.

..فهل نترك أنفسنا لانفلات الأعصاب عند كل خطا يرتكبه الأبناء؟ فكيف ننجح إذاً في تربيتهم وكثرة الأخطاء من طبيعة المرحلة التي يمرّون بها، إذ يفتقدون العلم والخبرة في كثير من أمورهم والمفترض أنهم يسيرون في ظل توجيهات الوالدين ومتابعتهم؟

إذن لابد لك عزيزي المربي من تعلم فنّ إدارة الغضب، فإنّ للسيطرة على أعصابك تأثيراً مهماً على ضبط سلوك أطفالك، وإذا حافظت على هدوئك وتمكنت من عبور المواقف الصعبة دون أن ينفجر غضبك، فسيكون اتصالك بأبنائك أكثر فاعلية كما سيكون عقابك لهم فعّالاً ومؤثراً أيضاً.

لذلك ندعوك إلى إدارة الغضب وليس إلغاؤه:

إنّ النبيe أوصى بعدم الغضب وفي الوقت ذاته مدح من يغضب لمحارم تُنتهك، وما ذاك النهي إلا تحذير من الانفعالات السلبية للغضب وينهانا عن الغضب السلبي، ومن الممكن أن يتحول الغضب والانفعال لدى الإنسان إلى صورته الإيجابية لو أحسن إدارته والتحكم فيه، وليس إلغاؤه بالكلية، فمشاعر الغضب، هي مصدر القوة والتفاعل ودليل اهتمام الإنسان بدينه وقيمه، فهذه المشاعر الطبيعة تؤدي إلى المحافظة على النفس، والمحافظة على الدين والمحافظة على العرض والمال. وعلى صعيد التربية فإنّ الآباء والأمهات والمربون إذا لم يغضبوا لسلوكيات مرفوضة تصدر من الأبناء، فتلك علامة على سلبية المربي وعدم استشعاره للمسؤولية وحجمها، وعدم تقدير النتائج الأخروية المترتبة على الإهمال في تربية الأبناء، قال تعالى:"يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون". (التحريم:6)، وقال e : "إنّ الله سائل كل راعٍ عمّا استرعاه حفظ أم ضيّع؟"

واحتفظ بطاقتك للبناء لا للهدم:

إذا لم يملك الإنسان نفسه في الحالات الحرجة واستسلم لما يقتضيه الغضب والانفعال الشديد، فإنه يجد نفسه قد استهلك طاقة هائلة من قوته الداخلية التي من المفترض أن يستغلّها في عملية البناء والتربية والتعليم والتشجيع والحوار البنّاء وتنمية مهارات الأبناء، والاستمتاع بالحياة اليومية الهادئة المليئة بعبادة الله وقراءة القرآن وحسن المعاشرة داخل الأسرة، ومساعدة الناس، بل.. وإماطة الأذى عن الطريق.!

وابدأ معنا خطوات على طريق إدارة الغضب:

- دائماً كرر لنفسك أنّ انفلات الغضب من سمات الضعف والإفلاس التربوي، بينما كظم الغيظ والتحكم في الغضب والتصرف بإنصاف مع الأبناء أثناء ذلك يمثل القمة في قوة وإيجابية المربي، وفضيلة يتميز بها عباد الله الصالحون، روى ابن عمر رضي الله عنه عن النبي _صلى الله عليه وسلم _ : "ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله "  (سنن ابن ماجه 2/1401 ح4189)

- في لحظة الغضب وعندما تشعر أنّ جمرته تشتعل بداخلك، ابدأ في العدّ من 10:1 قبل التفوه بأي كلمة، وتوجه إلى نفسك بهذا السؤال: ( ما الذي يجب أن أقوله الآن؛ ليخرج ولدي مستفيداً من الموقف ؟)

- راجع المواقف التي أثارت غضبك من ولدك، وأعد التفكير ولكن بالنظر إلى دوافع هذه التصرفات، فولدك الذي انسكب منه كوب اللبن على ملابسه أثناء تناوله لإفطاره كان يحاول أن يعتمد على نفسه، لا أن يضايقك، وأنت بثورتك حينئذٍ تمنعه من إعادة المحاولة والنجاح فيها.

- عبّر لولدك عمّا تشعر به وأنت غاضب، وخاطبه بعبارات قوية تنقله بها إلى مستويات أفضل من السلوك كنت تتوقعها منه، مثال على ذلك:

(الأب الغاضب: أحمد..أنا غاضب من تصرفك بالأمس عندما جئت متأخراً إلى المنزل..كنت أتوقع منك أن تدرك الوقت المناسب للعودة إلى البيت والذي حددته لك سابقاً..! )

- استخدم أسلوب التجاهل والهجر المؤقت، فتتوقف عن الحديث مع الابن لساعات طويلة، ولا ترد على أسئلته، وأظهر عدم الاهتمام به، وذلك إلى حين هدوئك من سكرة الغضب، مع مراعاة الحزم الشديد في التطبيق، وستدرك كيف أن هذا الأسلوب مثمر جداً في توجيه الابن مقارنة بالأساليب الغاضبة.

- تذكر أن خفض الصوت حال التحدث مع الأبناء يقلل من شعورك بالغضب، ويوحي لهم بقدرتك على السيطرة على نفسك وعليه هو، أما في حال رؤيته لك وقد فقدت السيطرة على أعصابك، فإن ذلك يصورنا أمامه ضعيفاً، وسوف يقتدي بك في الضعف، وربما يستغل ضعفك أيضاً.

- يمكنك اللجوء لأسلوب الرسائل المكتوبة، للتعبير عن رفضك لبعض طلبات الأبناء، أو لبعض تصرفاتهم، فهذه الطريقة ناجحة للتعامل مع الناس جميعاً كالزوجين، والأصدقاء، والأبناء أيضاً؛ لأننا عندما نكتب نفكر بحكمة وتحليل وتعقل، أكثر من ارتجال القرارات والأحكام والتأنيب، كما أن الانفعال لا ينتقل بالكتابة كما ينتقل بأسلوب المحادثة، وستلاحظ أنّ حدة الغضب ستقل بالتأكيد لدينا ولدى الأبناء كذلك. (هداية الله أحمد شاش:موسوعة التربية العملية للطفل،ص:289)

- استعن بالله تعالى على تنفيذ قرارك، وضع نُصب عينيك قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا تغضب"، واستعمل الوسائل التي أرشدنا إليها النبي e لدفع الغضب مثل الوضوء أو الاغتسال، وتغيير الوضع من القيام إلى الجلوس، ومن الجلوس إلى الاضطجاع، وترديد الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

وأخيراً تذكر عزيزي المربي أنّ:

الإدارة الناجحة للانفعال والغضب تعني القوة،كما تعلمنا من رسولنا الكريم e "ليس الشديد بالصُرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب"

وتعني كذلك الاهتمام والبحث عن الحلول السليمة لتغيير سلوكيات مرفوضة لدى أبنائك، والإصرار على النجاح في مهمتك التربوية دون أن تهتريء الروابط المتينة التي تصلك بهم.

بينما يظل الغضب الهائج انفعالاً سلبياً هدّاماً، استجابة الابن تكون فيه شكلية ومؤقتة لأنها بدافع الخوف والرغبة في التخلص من هياج الغضب وتوابع الانفعالات، ولا يغير من واقع الابن شيئاً إلى الأفضل، بل غالباً يزيده سوءاً.

..والآن ابدأ على الفور، واتخذ قرارك بأنه:

 من اليوم لا عنف و لا عصبية مع الأولاد إن شاء الله تعالى..ولكن ..إدارة جيدة للحظات الغضب..!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • كيف تكون أباً ناجحاً؟: عبد الله عبد المعطي
  • موسوعة التربية العملية للطفل: هداية الله أحمد شاش
  • التربية الإيجابية من خلال إشباع الحاجات النفسية للطفل:د.مصطفى أبو سعد
  • كيف تكون أحسن مربي في العالم؟: محمد سعيد مرسي
  • كريم الشاذلي:الآن أنت أب

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق