أين أنت الآن: الرئيسية

>>

المستشار

>>

أطفالنا

أخطاء الأبناء ..غير قابلة للنشر

نشرت: - 06:28 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 719

media//version4_454787871131.jpg

عزيزي المربي

إذا بلغ ولدك أشده، وألهمه الله تعالى رشده، وقرّت به عينك، وسَعِدَ به قلبك، وحمدت الله تعالى على هذه النعمة العظيمة..وجلست تتذكر سنوات التربية الطويلة؛ حتماً سيمر بخاطرك الكثير من المواقف الحرجة والتصرفات الخاطئة التي صدرت من أبنائك، فهل تتذكر كيف كنت تتعامل معها..؟

تتباين تصرفات الآباء والأمهات تجاه أخطاء الأبناء أثناء مسيرة تربيتهم وتعلمهم واكتسابهم الخبرات المختلفة من حيث كتمانها مع التصحيح، أو حكايتها على السبيل التندر، والأشد سوءاً التشهير بأخطاء الأبناء ضجراً وغيظاً منهم..! فما هو المسلك التربوي الصحيح في كل ذلك؟

 

"الستر والتصحيح" منهج الإسلام في التعامل مع أخطاء الكبار والصغار

لا شك أن الستر مطلب شرعي في حق المسلم  عموماً، وخصوصاً في حق ذوى الهيئات ومن يظهر منهم الصلاح والاستقامة، أو المذنب الذي يستخفي بمعصيته ولا يجاهر بها أمام الناس، لقول النبي r "من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة- رواه البخاري :كتاب المظالم/باب:3 -

وقد بين لنا النبي r الحكمة في هذا الأسلوب التربوي القويم إذ قال:"إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم"  - رواه أبو داود -

لأن الناس قريبين من التوبة والإصلاح ماداموا يشعرون أن أخطائهم مازالت مستورة وأنهم مازالوا محتفظين بالسيرة الطيبة بين الناس .

كما أن الأمر بالسِّتر على العاصي يوجّه المؤمن الذي رآه حال معصيته إلى التصرف السليم والمتّزن تجاهه، وهو الستر التام مع الشعور بالشفقة والاحتواء والأخذ بيده نحو التوبة وتصحيح الخطأ، مما يقطع على الشيطان طريقه إليه، فعن أبي بكر الصديق t قال: (لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستر به عليه).

وإذا كان الستر واجب شرعي تجاه المسلمين عموماً، فإن الستر أوجب وآكد على الصغار الذين لازالوا يتعلمون ويكتسبون خبراتهم من خلال الأخطاء نفسها، حيث أن كثرة الخطأ وتكراره وارد حدوثه منهم لقلة خبرتهم وعدم اكتمال إدراكهم للأمور.

 

وقد تتساءل – عزيزي القاريء - لماذا يقع الآباء في هذا الخطأ التربوي؟

قد يصدر ذلك عن كثير من الآباء والأمهات، لا عن عمد ولكن تساهلاً أو جهلاً أو تندراً..

 

- تساهلاً في تقدير المردود التربوي لسلوك الآباء والأمهات تجاه أخطاء أبنائهم، فهم لا يتصورون أن تحدّث الأب أو الأم بأخطاء ولده وإعادة سرد ما صدر منه أمام الآخرين، من شأنه أن يحطم نفسيته ويفقده الثقة ويترك في نفسه أثراً بالغ السوء.

- أو جهلاً منهم بحرمة الطفل المسلم التي لا ينبغي أن تنتهك، حتى وإن كان هذا الطفل ولداً لهم، مما يعني أن الحديث عن أخطاء الطفل لا يحل بغير وجه مقبول شرعاً.

 

- أو تندراً بمعنى اتخاذ أخطاء الطفل كنوادر وحكايات يُتندر بها في المجالس، من اجل الإضحاك والتفكه.

 

- الضجر والتشكي من عدم طاعة الأبناء أو عدم سيطرة الوالدين عليهما، وهذا يعكس إفلاساً تربوياً ملحوظاً.

الهدي النبوي تصحيح الخطأ مع ستر المخطئ:

وقد كان من هدى النبي r أنه إذا رأى شيئاً من أصحابه أو بلغه عنهم شيء، وأراد أن يدلهم على الحق فيه أنه لا يصرح بأسمائهم، ولكنه يلمح فيستر عليهم ويحصل مقصوده من النصح فيقول:"ما بال أقوام قالوا كذا و كذا"، كما في قصة الثلاثة الذين أتوْا بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوا عن عبادته فكأنهم تقالّوها، فقال أحدهم:أما أنا فأصلى الليل أبداً.وقال الآخر:وأنا أصوم فلا أفطر، وقال الآخر:وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.

فقال:"ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا".ثم قال:"ولكنى أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّي" - رواه  البخاري:9/90،89ومسلم:9/176-.

 

وهذا المنهج النبوي لم يكن مع الكبار فقط، ولكن مع الصغار أيضاً، فإن للصغير حقٌ كالكبير تماماً في الستر على أخطائه وهنّاته، وعدم التشهير به وفضحه بين إخوته وأقرانه والمحيطين به، ومن أقوى وأشهر ما يستدل به على ذلك، هديه مع الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، فقد التحق بالنبي r خادماً له وهو طفل صغير دون العاشرة ومكث في خدمته  عشر سنوات لا شك أنها كانت زاخرة بالأخطاء المتكررة من طفل في مثل هذا العمر، ومع ذلك لم يصلنا حديث واحد عن النبي r يحكى فيه أخطاء أنس t لأي سبب!! وإنما جاءت الأحاديث كلها برواية أنس نفسه t مبيناً إعجاز التربية النبوية التي جمعت بين الرحمة والحكمة والتوجيه، فتأتي الروايات هكذا:

عن أنس بن مالك t خدمت النبي r عشر سنين، والله ما قال لي "أف"، ولا:"لم صنعت؟"ولا "ألا صنعت" - رواه البخاري، كتاب الأدب - ، وفي رواية:"فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني، فإن لامني أحد من أهل بيته قال:"دعوه فلو قدّر أو قضي أن يكون كان".

كيف أثر التشهير على هذا الرجل ؟!

 في هذه القصة التي أخرجها البيهقي عن ابن عمرt قال:"كنت مع عمر في حجٍ أو عمرة فإذا نحن براكب، فقال:أرى هذا يطلبنا، فجاء الرجل فبكى، قال:ما شأنك؟ إن كنت غارماً أعنّاك، وإن كنت خائفاً أمّناك، إلا أن تكون قتلت نفساً فتقتل بها، وإن كنت كرهت جوار قوم حولناك عنهم. فقال الرجل:"إني شربت الخمر، وأنا أحد بني تميم، وإن أبا موسى جلدني وسوّد وجهي، وطاف بي في الناس، وقال:لا تجالسوه، ولا تؤاكلوه، فحدثت نفسي بأحد ثلاث:إما أن أتخذ سيفاً فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتيك فتحولني إلى الشام، فإنهم لا يعرفوني، وإما أن ألحق بالعدو فآكل معهم واشرب! فبكى عمر، وقال :"ما يسرني أنك فعلت وأن لعُمَر كذا وكذا، وإني كنت لأشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنا.وكتب إلى أبي موسى:"سلام عليك،أما بعد، فإن ابن فلان أخبرني بكذا وكذا، وأيمُ الله، إني إن عدتَ لأسوّدنّ وجهك ولأطوفنّ بك في الناس، فإن أردت أن تعلم حق ما أقول فعد فأمر الناس أن يجالسوه ويواكلوه، فإن تاب فاقبلوا شهادته، وحمّله وأعطاه مائة درهم".

لا تذكر خطأ المرة الواحدة:

يضع لنا الإمام الغزالي قاعدة تربوية في هذه المسألة، يقول:

(فإن خالف في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره لا سيما إذا ستره الابن، واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك عليه - أي فَضْحه والتشهير به - ربما يفيده جسارة حتى لا يبالى بالمكاشفة، فعند ذلك إذا خالف ثانياً فينبغي أن يعاقب سراً ويعظم الأمر فيه) -إحياء علوم الدين ج3ص70-

فلتحذر- عزيزي المربي- من التشهير بالابن إذا كان انحرافه عن سنن الأخلاق الكريمة يقع منه لأول مرة، فمثلاً:إذا كذب مرة فلا تناديه بالكذّاب، وإذا لطم أخاه الصغير مرة فلا تناديه بالعدواني أو الشرير، وإذا أخذ قلم أخيه بدون علمه فلا تناديه بالسارق، وإذا طلبت منه كأساً من الماء فأبى، فلا تناديه بالكسول، وهكذا.. لا تُشَهّر به أمام إخوته وأهله من الزلة الأولى، فهذا الأسلوب يجعل الابن ينظر إلى نفسه على أنه حقير مهين، ويقطع عليه طريق العودة إلى السلوك المنضبط بعد أن افتضح وشُهِر بزلته بين أقرانه والمحيطين به.

عواقب التشهير بالأبناء والتساهل في غيبتهم:

- نفور الناس من أبنائك، فالناس عادة تتعاطف مع الأب أو الأم بغض النظر هل كلامهما صحيح أم لا وبغض النظر هل هما على حق أم لا؟ والنفوس تتأثر بكلام غيرها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يُبلِّغُني أحدٌ عن أحدٍ مِن أصحابي شيئًا فإنِّي أحبُّ أن أخرجَ إليكُم وأنا سليمُ الصدر"ِ، والناس إذ تسمع من الأب أو الأم شكواهم تسمع من طرف واحد وتتعاطف معه تلقائياً.

- استباحة الغير أن يتحدث عن أبنائك بالسوء (بالأخص المقربين كإخوتهم وإخوانهم والأهل والجيران) كونهم يرون والديه يستبيحان التحدث عنه، مما يتسبب في ملء القلوب بالضغائن والعداوة وقطع الود والمحبة بينهم وبين أبنائك، وتكوين فكرة سيئة لدى المحيطين عن الأبناء.

- إدخال الحزن على قلوب الأبناء مما يؤدي لبعدهم عن الوالدين، بسبب تحدثهما عن أخطائهم أمام الناس، أو دوام تذكيرهم .

وأخيرا عزيزي المربي..

إنّ علينا أن نتعامل مع أخطاء الأبناء على نظام "طيّ الملفات"، فهي ملفات غير قابلة للنشر، فإذا وقع الابن في خطأ كبير أو صغير في مرحلة من مراحل حياته، ثم أقلع عنه صار لزاماً علينا أن ننسى ذلك الخطأ، وأن نساعده على نسيانه، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له،وبذلك نؤدي إليه حقه في التعامل الكريم مع أخطائه وفي صناعة ذكره الجميل وسط أقرانه والمحيطين به.

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق