نعم المال الصالح للعبد الصالح

نشرت: - 10:51 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 8267

ما علاقة المال بالسعادة؟

 إن المال وحده لا يمكن أن يجلب للإنسان السعادة ما لم يرتبط جمع المال بغاية أسمى وأعلى، يقول النبي r: ((تعس عبد الدنيا، تعس عبد الدرهم)) (رواه البخاري).

فإن أول شرط ليعيش الإنسان في سعادة دائمة أن تكون حياته مليئة بالغايات وأن يرقى دائماً إلى شيء ما خارج حدود ذاته.

 قصة كرستينا أوناسيس:

 وليس أدل على ذلك من قصة أغنى امرأة في العالم أنها (كرستينا أوناسيس) ابنة الملياردير اليوناني (أوناسيس) مات والدها وترك المليارات، شركات ومؤسسات، قصوراً وناطحات سحاب، وغير ذلك، تزوجت هذه الفتاة عدة مرات، وفي كل مرة يحدث الطلاق، وتُسأل في كل مرة لماذا تبدل الأزواج بهذه الطريقة؟ فتقول: أبحث عن السعادة.

حتى إنها تزوجت في آخر المطاف برجل شيوعي من الاتحاد السوفيتي السابق، وذهبت لتعيش معه في بلده، تسكن في غرفتين، تعيش على ما تصرفه لهم الدولة الشيوعية من مؤن، ويذهب إليها الصحفيون ويسألونها، كيف تلتقي قمة الرأسمالية مع الشيوعية؟ فتقول: أبحث عن السعادة؟

 ثم انفصلت عن زوجها هذا، وانتهي أمرها بأن وجدوها ميتة في إحدى شاليهاتها بالأرجنيتن.

 ولا شك أن المال عصب الحياة، وأنه ضروري جداً لتحقق الكثير من أهداف الإنسان كالاستقرار وتكوين الأسرة وإقامة المشروعات وغير ذلك ولكن ينبغي أن نفهم أن المال وسيلة وليس غاية، وأن المال وإن كان ضرورياً لتحقيق الأهداف إلا أنه لا يصلح أبداً أن يكون على رأس اهتماماتنا في هذه الحياة.

 المال واختيار الزوج.

 المال من الصفات التي لا غنى عنها مطلقاً، ولا اختلاف عليها بين الناس، واشتراط الغنى في المتقدم للزواج معروف وبديهي، وأقل الغنى هو الكفاف والقيام بواجباته الزوجية، ويُستحب للرجل أن يكون مستطيعاً للباءة بنوعيها وهي القدرة على الجماع وعلى مؤن وتكاليف المعيشة، وهكذا كان تفسير العلماء لحديث الرسول r: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) رواه البخاري.

 والمقصود بالباءة هو نفقات الزواج وإمكان اعاشة الرجل للمرأة.

والإسلام يشترط في صحة عقد النكاح واستمراره قدرة الرجل على الانفاق.

 وقد جاء في الحديث المتفق عليه عن فاطمة بنت قيس، رضي الله عنها أنها قالت: أتيتُ رسول الله r فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله r: ((أما معاوية فصعلوك، لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه)).

وصعلوك: أي فقير.

ولا يضع العصا عن عاتقه: أي أنه كثير الاسفار، وقد يحمل على معنى أنه يضرب النساء.

وقد بين لها الرسول ما فيها من العيوب، فربما كان الفقر لا تهوى إليه نفسها، وربما كانت كثر أسفار أبي الجهم لا تطيقها ولا تحتمل فراقه ويكون فيه مضرتها، وأما معاوية فأصبح في يوم من الأيام خليفة المسلمين.

 وليس معنى ذلك أن ترفض المرأة الرجل الفقير، ولكنها تختار ما يناسبها بعد معرفة صفاته وخلقه ودينه، ولا يخفى أن من أسباب قوامة الرجل على المرأة الانقاق.

فقد قال تعالى:                             .

فقوامة الرجل على المرأة تكمن في شيئين:

 1- شيء جبلي: وهو ما اقتضى به الله الرجل في خلقته.

2- شيء خارجي: وهو الانفاق من الأموال.

وقد قرر الإسلام نفقة الزوجة وسكنها على زوجها في حدود امكاناته المادية كما قال تعالى:                   ﭿ         (الطلاق: 7).

 ولقد أعطى الإسلام المرأة حق الفسح إذا غرّر بها الزوج بأنه ذو مال فظهر لها أنه لا مال له، أو كان ذا مال وترك النفقة عليها.

المال واحد من مجموع اعتبارات:

قد تختار المرأة الزوج غنياً لتنال في كنفه ما تريد من متع الحياة، وخاصة في عصرنا الحديث الذي كثرت مطالبه وتنوعت متعه، تريد الزوجة زوجاً سهلاً في انفاقه، وتغالي بعض النساء في تقدير الغنى إلى أن يطغى على الاعتبارات الأخرى، فلا يهمها من الزوج سلوكه ولا سنه ولا شكله ولا أخلاقه ودينه، أو حسبه ونسبه وكرم أصله.

 ولا شك أن السؤال عن الرجل منصبه ومكانته الاجتماعية وحسبه ونسبه وماله وغير ذلك من الاعتبارات لاشك أنها مطلوبة ولا تُنحى من مجال البحث والمفاضلة عند الاختيار، ولكن أن تكون هذه الاعتبارات وحدها هي المتحكمة في المفاضلة والترجيح دون اعتبار للدين والخلق فهذه هي المشكلة الكبرى.

 فلا بد من اعتبار الدين والخلق أولاً قبل المال وغيره من الاعتبارات، فإذا توفر هذه الاعتبار نظرنا إلى الاعتبارات الأخرى.

وإن حرص الفتاة وولي أمرها على اختيار الفتى لمجرد غناه بغض النظر عن كل شيء سواه له أخطار منها:

1- أن المال من الأغراض المتغيرة مثل الجمال والحسب وغيرها، والمال والحسب مجردان يدفعان حتماً إلى الجور والظلم، ولا نستغنى بهذه الأغراض من الدين، لأن الدين عاصم من الزلل ومانع من الظلم.

 فإن تغير وتبدّل الحال من الغنى إلى فقر ستبقى للمرأة الصفات المرذولة الأخرى التي كان يغطيها في الرجل ثراؤه وأعماها الغنى عن النظر إليها.

 2- الناس ليسوا جميعاً ذوي ثراء كبير كما تريد المرأة، فهؤلاء عددهم محدود، فلو رفضت المرأة الزواج بأقل من الثري لكثرت العوانس وازدحمت بهن الطرقات.

3- سعادة المرأة ليست في المال وحده، وإلا فبربك قل لي ما موقف المرأة المتزوجة في بيت فيه من النعيم الكثير، قد تحلّت فيه بأفخر أنواع الحلي، ولبست فيه أرق الثياب وأرقاها، وأكلت من الطعام مشتهاها، ثم لا تجد من زوجها في الصباح إلا الضرب والسباب، وفي المساء إلا السهر والشراب والتردد على بيوت الأصدقاء والصديقات، وهي تتقلب على جمر الانتظار، فما يكون منها إلا أن تندب حظها العاثر وأملها الضائع.

 إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله:

وقد نبه الله إلى خطر النظرة المادية عند الزواج بقوله تعالى:                                     (النور: 32).

وأبو بكر رضي الله عنه يقول في هذه الآية: (انجزوا ما أمركم الله به من الزواج، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى) تفسير ابن كثير.

وهذا عمر رضي الله عنه يقول: (عجبي ممن لا يطلب الغنى في الزواج، وقد قال تعالى:              تفسير القرطبي.

والحديث الشريق قد شجع على معونة الناكح الذي يريد العفاف بل قال فيه وفي غيره: ((ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)).

 الغنى المطلوب:

 وليس المقصود هو التنفير من الرجل الغني، فإن أي إنسان يحب الغنى، والإسلام نفسه يشجع عليه في كثير من النصوص، ولكن الغنى المحبوب والمطلوب هو الذي قال في مثله النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعم المال الصالح للعبد الصالح)) (رواه أحمد).

 أما الغنى الخالي من التقوى والعمل الصالح فهو المذموم.

 والإسلام راعى في بناء الأسرة القدرة على تكالفيها، ولكن ليس المراد تكاليف الرفاهية التي لا يستطيعها إلا الأثرياء، أو تكاليف بعيدة عن رقابة الله وتقواه.

 فإذا كنا نذم الغنى هنا كمقياس للزواج السعيد فإنه الغنى المجرد عن الصفات الأخرى اللازمة للسعادة الزوجية الحقة، فاذا اجتمع المال والخلق والدين كانت النعمة عظيمة وترنم معنا قول الشاعر.

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا            وأقبح الكفر والافلاس بالرجل

 أثرياء الصحابة:

 ونحن نشجع كل مؤمن على حيازة المال الوفير الذي يقيه شر الحاجة، ويؤمن له ولأسرته الاستقرار ويمكنه من المساهمة في صناعة النهضة والارتقاء بحياته وبمجتمعه، كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهما، وغيرهما من أثرياء الصحابة، وكم من طاعات لله لا يستطيع أن يؤديها إلا صاحب الغنى الشاكر كالحج والعمرة المستديمة والصدقات والزكوات.

وتذكر معنا قوله تعالى:           (الطلاق:7).

وقول رسولنا الكريم: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) (رواه البخاري)، و ((نعم المال الصالح للعبد الصالح))(رواه أحمد).

التعليقات

4 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق