نعم المال الصالح للعبد الصالح

نشرت: - 10:51 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 8139

ما علاقة المال بالسعادة؟

 إن المال وحده لا يمكن أن يجلب للإنسان السعادة ما لم يرتبط جمع المال بغاية أسمى وأعلى، يقول النبي r: ((تعس عبد الدنيا، تعس عبد الدرهم)) (رواه البخاري).

فإن أول شرط ليعيش الإنسان في سعادة دائمة أن تكون حياته مليئة بالغايات وأن يرقى دائماً إلى شيء ما خارج حدود ذاته.

 قصة كرستينا أوناسيس:

 وليس أدل على ذلك من قصة أغنى امرأة في العالم أنها (كرستينا أوناسيس) ابنة الملياردير اليوناني (أوناسيس) مات والدها وترك المليارات، شركات ومؤسسات، قصوراً وناطحات سحاب، وغير ذلك، تزوجت هذه الفتاة عدة مرات، وفي كل مرة يحدث الطلاق، وتُسأل في كل مرة لماذا تبدل الأزواج بهذه الطريقة؟ فتقول: أبحث عن السعادة.

حتى إنها تزوجت في آخر المطاف برجل شيوعي من الاتحاد السوفيتي السابق، وذهبت لتعيش معه في بلده، تسكن في غرفتين، تعيش على ما تصرفه لهم الدولة الشيوعية من مؤن، ويذهب إليها الصحفيون ويسألونها، كيف تلتقي قمة الرأسمالية مع الشيوعية؟ فتقول: أبحث عن السعادة؟

 ثم انفصلت عن زوجها هذا، وانتهي أمرها بأن وجدوها ميتة في إحدى شاليهاتها بالأرجنيتن.

 ولا شك أن المال عصب الحياة، وأنه ضروري جداً لتحقق الكثير من أهداف الإنسان كالاستقرار وتكوين الأسرة وإقامة المشروعات وغير ذلك ولكن ينبغي أن نفهم أن المال وسيلة وليس غاية، وأن المال وإن كان ضرورياً لتحقيق الأهداف إلا أنه لا يصلح أبداً أن يكون على رأس اهتماماتنا في هذه الحياة.

 المال واختيار الزوج.

 المال من الصفات التي لا غنى عنها مطلقاً، ولا اختلاف عليها بين الناس، واشتراط الغنى في المتقدم للزواج معروف وبديهي، وأقل الغنى هو الكفاف والقيام بواجباته الزوجية، ويُستحب للرجل أن يكون مستطيعاً للباءة بنوعيها وهي القدرة على الجماع وعلى مؤن وتكاليف المعيشة، وهكذا كان تفسير العلماء لحديث الرسول r: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) رواه البخاري.

 والمقصود بالباءة هو نفقات الزواج وإمكان اعاشة الرجل للمرأة.

والإسلام يشترط في صحة عقد النكاح واستمراره قدرة الرجل على الانفاق.

 وقد جاء في الحديث المتفق عليه عن فاطمة بنت قيس، رضي الله عنها أنها قالت: أتيتُ رسول الله r فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله r: ((أما معاوية فصعلوك، لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه)).

وصعلوك: أي فقير.

ولا يضع العصا عن عاتقه: أي أنه كثير الاسفار، وقد يحمل على معنى أنه يضرب النساء.

وقد بين لها الرسول ما فيها من العيوب، فربما كان الفقر لا تهوى إليه نفسها، وربما كانت كثر أسفار أبي الجهم لا تطيقها ولا تحتمل فراقه ويكون فيه مضرتها، وأما معاوية فأصبح في يوم من الأيام خليفة المسلمين.

 وليس معنى ذلك أن ترفض المرأة الرجل الفقير، ولكنها تختار ما يناسبها بعد معرفة صفاته وخلقه ودينه، ولا يخفى أن من أسباب قوامة الرجل على المرأة الانقاق.

فقد قال تعالى:                             .

فقوامة الرجل على المرأة تكمن في شيئين:

 1- شيء جبلي: وهو ما اقتضى به الله الرجل في خلقته.

2- شيء خارجي: وهو الانفاق من الأموال.

وقد قرر الإسلام نفقة الزوجة وسكنها على زوجها في حدود امكاناته المادية كما قال تعالى:                   ﭿ         (الطلاق: 7).

 ولقد أعطى الإسلام المرأة حق الفسح إذا غرّر بها الزوج بأنه ذو مال فظهر لها أنه لا مال له، أو كان ذا مال وترك النفقة عليها.

المال واحد من مجموع اعتبارات:

قد تختار المرأة الزوج غنياً لتنال في كنفه ما تريد من متع الحياة، وخاصة في عصرنا الحديث الذي كثرت مطالبه وتنوعت متعه، تريد الزوجة زوجاً سهلاً في انفاقه، وتغالي بعض النساء في تقدير الغنى إلى أن يطغى على الاعتبارات الأخرى، فلا يهمها من الزوج سلوكه ولا سنه ولا شكله ولا أخلاقه ودينه، أو حسبه ونسبه وكرم أصله.

 ولا شك أن السؤال عن الرجل منصبه ومكانته الاجتماعية وحسبه ونسبه وماله وغير ذلك من الاعتبارات لاشك أنها مطلوبة ولا تُنحى من مجال البحث والمفاضلة عند الاختيار، ولكن أن تكون هذه الاعتبارات وحدها هي المتحكمة في المفاضلة والترجيح دون اعتبار للدين والخلق فهذه هي المشكلة الكبرى.

 فلا بد من اعتبار الدين والخلق أولاً قبل المال وغيره من الاعتبارات، فإذا توفر هذه الاعتبار نظرنا إلى الاعتبارات الأخرى.

وإن حرص الفتاة وولي أمرها على اختيار الفتى لمجرد غناه بغض النظر عن كل شيء سواه له أخطار منها:

1- أن المال من الأغراض المتغيرة مثل الجمال والحسب وغيرها، والمال والحسب مجردان يدفعان حتماً إلى الجور والظلم، ولا نستغنى بهذه الأغراض من الدين، لأن الدين عاصم من الزلل ومانع من الظلم.

 فإن تغير وتبدّل الحال من الغنى إلى فقر ستبقى للمرأة الصفات المرذولة الأخرى التي كان يغطيها في الرجل ثراؤه وأعماها الغنى عن النظر إليها.

 2- الناس ليسوا جميعاً ذوي ثراء كبير كما تريد المرأة، فهؤلاء عددهم محدود، فلو رفضت المرأة الزواج بأقل من الثري لكثرت العوانس وازدحمت بهن الطرقات.

3- سعادة المرأة ليست في المال وحده، وإلا فبربك قل لي ما موقف المرأة المتزوجة في بيت فيه من النعيم الكثير، قد تحلّت فيه بأفخر أنواع الحلي، ولبست فيه أرق الثياب وأرقاها، وأكلت من الطعام مشتهاها، ثم لا تجد من زوجها في الصباح إلا الضرب والسباب، وفي المساء إلا السهر والشراب والتردد على بيوت الأصدقاء والصديقات، وهي تتقلب على جمر الانتظار، فما يكون منها إلا أن تندب حظها العاثر وأملها الضائع.

 إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله:

وقد نبه الله إلى خطر النظرة المادية عند الزواج بقوله تعالى:                                     (النور: 32).

وأبو بكر رضي الله عنه يقول في هذه الآية: (انجزوا ما أمركم الله به من الزواج، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى) تفسير ابن كثير.

وهذا عمر رضي الله عنه يقول: (عجبي ممن لا يطلب الغنى في الزواج، وقد قال تعالى:              تفسير القرطبي.

والحديث الشريق قد شجع على معونة الناكح الذي يريد العفاف بل قال فيه وفي غيره: ((ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)).

 الغنى المطلوب:

 وليس المقصود هو التنفير من الرجل الغني، فإن أي إنسان يحب الغنى، والإسلام نفسه يشجع عليه في كثير من النصوص، ولكن الغنى المحبوب والمطلوب هو الذي قال في مثله النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعم المال الصالح للعبد الصالح)) (رواه أحمد).

 أما الغنى الخالي من التقوى والعمل الصالح فهو المذموم.

 والإسلام راعى في بناء الأسرة القدرة على تكالفيها، ولكن ليس المراد تكاليف الرفاهية التي لا يستطيعها إلا الأثرياء، أو تكاليف بعيدة عن رقابة الله وتقواه.

 فإذا كنا نذم الغنى هنا كمقياس للزواج السعيد فإنه الغنى المجرد عن الصفات الأخرى اللازمة للسعادة الزوجية الحقة، فاذا اجتمع المال والخلق والدين كانت النعمة عظيمة وترنم معنا قول الشاعر.

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا            وأقبح الكفر والافلاس بالرجل

 أثرياء الصحابة:

 ونحن نشجع كل مؤمن على حيازة المال الوفير الذي يقيه شر الحاجة، ويؤمن له ولأسرته الاستقرار ويمكنه من المساهمة في صناعة النهضة والارتقاء بحياته وبمجتمعه، كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهما، وغيرهما من أثرياء الصحابة، وكم من طاعات لله لا يستطيع أن يؤديها إلا صاحب الغنى الشاكر كالحج والعمرة المستديمة والصدقات والزكوات.

وتذكر معنا قوله تعالى:           (الطلاق:7).

وقول رسولنا الكريم: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) (رواه البخاري)، و ((نعم المال الصالح للعبد الصالح))(رواه أحمد).

التعليقات

4 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    الأسد يجبر الموظفين على التطوع بصفوف قواته مهددًا بفصلهم

    أجبر نظام بشار الأسد، الموظفين في حكومته ممن هم تحت سن الأربعين عاماً على التطوع في قوات النظام، وقامت بتهديد الموظفين الذين سيرفضون تنفيذ القرار بالفصل من العمل.

    06 فبراير 2016 02:20:00

    ماذا خسرت الثورة السورية بالمشاركة في مباحثات جنيف؟

    ذكر الإعلامي السوري أحمد موفق زيدان أن المعارضة السورية رضخت للضغوط الأجنبية بالذهاب إلى جنيف، دون أن تكشف عن طبيعة هذه الضغوط، ولا عن طبيعة التعهدات والتطمينات التي قدمها الأميركيون والأمم

    06 فبراير 2016 01:45:00

    أمريكا ترحب بمشاركة السعودية برياً في سوريا

    رحب الرئيس الأميركي باراك أوباما، يوم الجمعة، بإعلان السعودية تعزيز مشاركتها في القتال ضد تنظيم "داعش".

    06 فبراير 2016 01:30:00

    أهداف روسية بالجملة وراء اختراق المجال الجوي التركي

    ذكر الكاتب بوعافية كمال أن خرق المقاتلات الروسية الموجودة في سوريا الأجواء التركية مرة أخرى، تهدف روسيا من ورائه إلي تحقيق عدة أهداف منها اختبار لمدى جدية حلف الناتو وأمريكا في وقوفهما مع ت

    06 فبراير 2016 01:15:00

    "دي ميستورا": جرائم نظام الأسد وراء تجميد مفاوضات جنيف

    أبلغ "مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، استيفان دي ميستورا، مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة، أن جرائم نظام الأسد المدعوم من روسيا ضد السوريين، كانت وراء تجميد مفاوضات جنيف".

    06 فبراير 2016 01:00:00

    واشنطن تايمز: هدف إيران الأكبر هو الاستيلاء على نفط السعودية والحرمين!

    أكد مقال بصحيفة واشنطن تايمز أن الهدف الأكبر لإيران هو الاستيلاء على آبار النفط في شمال شرق السعودية وعلى الحرمين الشريفين.

    06 فبراير 2016 12:40:00

    ماذا لو فشلت مفاوضات جنيف؟!

    ويقول مراقبون أن هناك خبراً ساراً للغاية لإدارة الرئيس "باراك أوباما" وهو أن تلك المفاوضات من الممكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

    04 فبراير 2016 08:44:00

    القواعد التركية العسكرية ... من التصفير إلي التمكين

    جاء إعلان الحكومة التركية عزمها تأسيس قاعدتين عسكريتين لها فى قطر والصومال انتقالا من مرحلة التأثير فى الإقليم بالقوي الناعمة والتعاون الثقافي والاقتصادي إلي مرحلة استخدام القوي الخشنة.

    02 فبراير 2016 08:57:00

    حقيقة الصراع الطائفي فى منطقة الشرق الأوسط

    الأحداث الجارية تشير إلى أن المنطقة باتت مُرشحة لصراع طائفى دموى بين السُنّة والشيعة.

    31 يناير 2016 09:09:00

    كردستان الكبرى وشبح جنوب السودان

    حين يأتي ذكر منطقة الشرق الأوسط ، أو النطاق الإقليمي الممتد من المحيط إلى الخليج ، غالبًا ما يتم الحديث عن الثقافات الثلاث ؛ العربية والفارسية والتركية.

    30 يناير 2016 09:50:00

    خبير بالشئون الفارسية يكشف لـ"مفكرة الإسلام" أبعاد المؤامرة الإيرانية

    أكد الدكتور فكري سليم ، أستاذ ورئيس قسم اللغة الفارسية والخبير في الشئون الإيرانية بجامعة الأزهر أن إيران تمر بمرحلة صدمة الحسابات الخاطئة عقب أزمتها الأخيرة مع السعودية.

    28 يناير 2016 11:06:00

    حوار حصري لـ "مفكرة الإسلام" مع عضو هيئة علماء اليمن أنور الشرعبي

    قال الدكتور أنور الشرعبي عضو هيئة علماء اليمن ورئيس هيئة التفتيش والمراقبة بحزب الرشاد وعضو الهيئة العليا إن الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح سعي لاستغلال مقتل العقيد الركن عبد الله.

    26 يناير 2016 09:04:00

    إغلاق