نعم المال الصالح للعبد الصالح

نشرت: - 10:51 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 8218

ما علاقة المال بالسعادة؟

 إن المال وحده لا يمكن أن يجلب للإنسان السعادة ما لم يرتبط جمع المال بغاية أسمى وأعلى، يقول النبي r: ((تعس عبد الدنيا، تعس عبد الدرهم)) (رواه البخاري).

فإن أول شرط ليعيش الإنسان في سعادة دائمة أن تكون حياته مليئة بالغايات وأن يرقى دائماً إلى شيء ما خارج حدود ذاته.

 قصة كرستينا أوناسيس:

 وليس أدل على ذلك من قصة أغنى امرأة في العالم أنها (كرستينا أوناسيس) ابنة الملياردير اليوناني (أوناسيس) مات والدها وترك المليارات، شركات ومؤسسات، قصوراً وناطحات سحاب، وغير ذلك، تزوجت هذه الفتاة عدة مرات، وفي كل مرة يحدث الطلاق، وتُسأل في كل مرة لماذا تبدل الأزواج بهذه الطريقة؟ فتقول: أبحث عن السعادة.

حتى إنها تزوجت في آخر المطاف برجل شيوعي من الاتحاد السوفيتي السابق، وذهبت لتعيش معه في بلده، تسكن في غرفتين، تعيش على ما تصرفه لهم الدولة الشيوعية من مؤن، ويذهب إليها الصحفيون ويسألونها، كيف تلتقي قمة الرأسمالية مع الشيوعية؟ فتقول: أبحث عن السعادة؟

 ثم انفصلت عن زوجها هذا، وانتهي أمرها بأن وجدوها ميتة في إحدى شاليهاتها بالأرجنيتن.

 ولا شك أن المال عصب الحياة، وأنه ضروري جداً لتحقق الكثير من أهداف الإنسان كالاستقرار وتكوين الأسرة وإقامة المشروعات وغير ذلك ولكن ينبغي أن نفهم أن المال وسيلة وليس غاية، وأن المال وإن كان ضرورياً لتحقيق الأهداف إلا أنه لا يصلح أبداً أن يكون على رأس اهتماماتنا في هذه الحياة.

 المال واختيار الزوج.

 المال من الصفات التي لا غنى عنها مطلقاً، ولا اختلاف عليها بين الناس، واشتراط الغنى في المتقدم للزواج معروف وبديهي، وأقل الغنى هو الكفاف والقيام بواجباته الزوجية، ويُستحب للرجل أن يكون مستطيعاً للباءة بنوعيها وهي القدرة على الجماع وعلى مؤن وتكاليف المعيشة، وهكذا كان تفسير العلماء لحديث الرسول r: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) رواه البخاري.

 والمقصود بالباءة هو نفقات الزواج وإمكان اعاشة الرجل للمرأة.

والإسلام يشترط في صحة عقد النكاح واستمراره قدرة الرجل على الانفاق.

 وقد جاء في الحديث المتفق عليه عن فاطمة بنت قيس، رضي الله عنها أنها قالت: أتيتُ رسول الله r فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله r: ((أما معاوية فصعلوك، لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه)).

وصعلوك: أي فقير.

ولا يضع العصا عن عاتقه: أي أنه كثير الاسفار، وقد يحمل على معنى أنه يضرب النساء.

وقد بين لها الرسول ما فيها من العيوب، فربما كان الفقر لا تهوى إليه نفسها، وربما كانت كثر أسفار أبي الجهم لا تطيقها ولا تحتمل فراقه ويكون فيه مضرتها، وأما معاوية فأصبح في يوم من الأيام خليفة المسلمين.

 وليس معنى ذلك أن ترفض المرأة الرجل الفقير، ولكنها تختار ما يناسبها بعد معرفة صفاته وخلقه ودينه، ولا يخفى أن من أسباب قوامة الرجل على المرأة الانقاق.

فقد قال تعالى:                             .

فقوامة الرجل على المرأة تكمن في شيئين:

 1- شيء جبلي: وهو ما اقتضى به الله الرجل في خلقته.

2- شيء خارجي: وهو الانفاق من الأموال.

وقد قرر الإسلام نفقة الزوجة وسكنها على زوجها في حدود امكاناته المادية كما قال تعالى:                   ﭿ         (الطلاق: 7).

 ولقد أعطى الإسلام المرأة حق الفسح إذا غرّر بها الزوج بأنه ذو مال فظهر لها أنه لا مال له، أو كان ذا مال وترك النفقة عليها.

المال واحد من مجموع اعتبارات:

قد تختار المرأة الزوج غنياً لتنال في كنفه ما تريد من متع الحياة، وخاصة في عصرنا الحديث الذي كثرت مطالبه وتنوعت متعه، تريد الزوجة زوجاً سهلاً في انفاقه، وتغالي بعض النساء في تقدير الغنى إلى أن يطغى على الاعتبارات الأخرى، فلا يهمها من الزوج سلوكه ولا سنه ولا شكله ولا أخلاقه ودينه، أو حسبه ونسبه وكرم أصله.

 ولا شك أن السؤال عن الرجل منصبه ومكانته الاجتماعية وحسبه ونسبه وماله وغير ذلك من الاعتبارات لاشك أنها مطلوبة ولا تُنحى من مجال البحث والمفاضلة عند الاختيار، ولكن أن تكون هذه الاعتبارات وحدها هي المتحكمة في المفاضلة والترجيح دون اعتبار للدين والخلق فهذه هي المشكلة الكبرى.

 فلا بد من اعتبار الدين والخلق أولاً قبل المال وغيره من الاعتبارات، فإذا توفر هذه الاعتبار نظرنا إلى الاعتبارات الأخرى.

وإن حرص الفتاة وولي أمرها على اختيار الفتى لمجرد غناه بغض النظر عن كل شيء سواه له أخطار منها:

1- أن المال من الأغراض المتغيرة مثل الجمال والحسب وغيرها، والمال والحسب مجردان يدفعان حتماً إلى الجور والظلم، ولا نستغنى بهذه الأغراض من الدين، لأن الدين عاصم من الزلل ومانع من الظلم.

 فإن تغير وتبدّل الحال من الغنى إلى فقر ستبقى للمرأة الصفات المرذولة الأخرى التي كان يغطيها في الرجل ثراؤه وأعماها الغنى عن النظر إليها.

 2- الناس ليسوا جميعاً ذوي ثراء كبير كما تريد المرأة، فهؤلاء عددهم محدود، فلو رفضت المرأة الزواج بأقل من الثري لكثرت العوانس وازدحمت بهن الطرقات.

3- سعادة المرأة ليست في المال وحده، وإلا فبربك قل لي ما موقف المرأة المتزوجة في بيت فيه من النعيم الكثير، قد تحلّت فيه بأفخر أنواع الحلي، ولبست فيه أرق الثياب وأرقاها، وأكلت من الطعام مشتهاها، ثم لا تجد من زوجها في الصباح إلا الضرب والسباب، وفي المساء إلا السهر والشراب والتردد على بيوت الأصدقاء والصديقات، وهي تتقلب على جمر الانتظار، فما يكون منها إلا أن تندب حظها العاثر وأملها الضائع.

 إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله:

وقد نبه الله إلى خطر النظرة المادية عند الزواج بقوله تعالى:                                     (النور: 32).

وأبو بكر رضي الله عنه يقول في هذه الآية: (انجزوا ما أمركم الله به من الزواج، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى) تفسير ابن كثير.

وهذا عمر رضي الله عنه يقول: (عجبي ممن لا يطلب الغنى في الزواج، وقد قال تعالى:              تفسير القرطبي.

والحديث الشريق قد شجع على معونة الناكح الذي يريد العفاف بل قال فيه وفي غيره: ((ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)).

 الغنى المطلوب:

 وليس المقصود هو التنفير من الرجل الغني، فإن أي إنسان يحب الغنى، والإسلام نفسه يشجع عليه في كثير من النصوص، ولكن الغنى المحبوب والمطلوب هو الذي قال في مثله النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعم المال الصالح للعبد الصالح)) (رواه أحمد).

 أما الغنى الخالي من التقوى والعمل الصالح فهو المذموم.

 والإسلام راعى في بناء الأسرة القدرة على تكالفيها، ولكن ليس المراد تكاليف الرفاهية التي لا يستطيعها إلا الأثرياء، أو تكاليف بعيدة عن رقابة الله وتقواه.

 فإذا كنا نذم الغنى هنا كمقياس للزواج السعيد فإنه الغنى المجرد عن الصفات الأخرى اللازمة للسعادة الزوجية الحقة، فاذا اجتمع المال والخلق والدين كانت النعمة عظيمة وترنم معنا قول الشاعر.

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا            وأقبح الكفر والافلاس بالرجل

 أثرياء الصحابة:

 ونحن نشجع كل مؤمن على حيازة المال الوفير الذي يقيه شر الحاجة، ويؤمن له ولأسرته الاستقرار ويمكنه من المساهمة في صناعة النهضة والارتقاء بحياته وبمجتمعه، كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهما، وغيرهما من أثرياء الصحابة، وكم من طاعات لله لا يستطيع أن يؤديها إلا صاحب الغنى الشاكر كالحج والعمرة المستديمة والصدقات والزكوات.

وتذكر معنا قوله تعالى:           (الطلاق:7).

وقول رسولنا الكريم: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) (رواه البخاري)، و ((نعم المال الصالح للعبد الصالح))(رواه أحمد).

التعليقات

4 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    خبراء: فوز ترامب سيجلب أسوأ الأيام للاقتصاد العالمي

    حذر خبراء اقتصاديون من انتخاب رجل الأعمال الجمهوري دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة في انتخابات الثامن من نوفمبر القادم، معتبرين أن فوزه بمنصب الرئيس "سيجب أسوأ الأيام للاقتصاد العالمي".

    26 أغسطس 2016 01:00:00

    السمنة تعرض صاحبها لخطر الإصابة بـ 8 أنواع من السرطان

    خلصت دراسة علمية حديثة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة معرضون لخطر الإصابة بـ 8 أنواع جديدة من مرض السرطان المميت.

    26 أغسطس 2016 12:40:00

    11 قتيلاً من الشرطة و78 جريحًا بحصيلة جديدة لتفجير 'جيزرة' التركي

    سجل التفجير الذي استهدف صباح اليوم الجمعة مبنى قوات مكافحة الشغب في قضاء جيزرة بولاية شرناق التركية، حصيلة جديدة بلغت 11 قتيلاً جميعهم من عناصر الشرطة، بالإضافة إلى عشرات الجرحى الآخرين.

    26 أغسطس 2016 12:20:00

    حكومة الوفاق الليبية تطلب من أمريكا مضاعفة دعمها العسكري

    طلب رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج من الولايات المتحدة مضاعفة دعمها العسكري في معاركها ضد تنظيم الدولة "داعش".

    26 أغسطس 2016 12:00:00

    تحذير من "حملة اعتقالات حتى الموت" للمهجَّرين من داريا

    حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من حملة "اعتقالات حتى الموت" بين المهجَّرين من داريا في ريف دمشق بموجب اتفاق بين كتائب الثوار ونظام بشار الأسد.

    26 أغسطس 2016 11:40:00

    مصرع 6 ضباط باكستانيين في هجوم مسلح قرب الحدود الإيرانية

    لقي 6 ضباط شرطة على الأقل مصرعهم وأصيب اثنان آخران بجروح في هجوم مسلح نفذه مجهولون بإقليم بلوشستان، قرب الحدود الإيرانية، جنوب غربي باكستان.

    26 أغسطس 2016 11:20:00

    تعقيدات الأزمة اليمنية .. إيران والنفاق الدولي

    المتأمل للأزمة اليمنية يلاحظ أنها تتعقد يومًا بعد يوم، حتى وصلت إلى درجة من التشابك والتأزم لم يسبق لها مثيل، وهذا كله ناتج عن كثرة الأطراف الخارجية المتدخلة وعن غطرسة وتمنع الأطراف الداخلية

    24 أغسطس 2016 06:37:00

    باحث في شؤون الفرق يكشف لمفكرة الإسلام سر الاحتفاء الأمريكي بـ"كولن"

    كشف الشيخ محمد المقدي ، الباحث في شؤون الفرق أن الصوفية هي النموذج الذي تحرص أمريكا على تلميعه في العالم الإسلامي.

    22 أغسطس 2016 06:45:00

    باكستان بين التركيع والتطويع

    تحقيق الصين لتفوق إستراتيجي على أمريكا في جنوب أسيا ، ودخول مناطق نفوذ تاريخية للأمريكان ، كان بمثابة الخط الأحمر الذي تجاوزته العلاقات الصينية الباكستاني.

    20 أغسطس 2016 06:29:00

    الأزمة السورية, صراع أوحد ومعارك لا تنتهي

    المشهد السوري فيما يخُص العمليات العسكرية صار في غاية التعقيد.

    18 أغسطس 2016 07:22:00

    تركيا وإعادة تغيير تحالفات الشرق الأوسط

    قدمت تركيا نموذجًا للدبلوماسية الهادئة المرنة غير المنفعلة التي تقدم المصالح التركية العليا فوق أي اعتبار، والتي لا تبالي بالقضايا العاطفية والحب والكراهية، وهو ما نحتاجه بشده في عالمنا.

    16 أغسطس 2016 06:23:00

    نهاية خليفة حفتر

    أفول ظاهرة حفتر يعني ضربة قاصمة للمحور الإقليمي الداعم للثورات العربية المضادة،ولكن ذلك يبقى متوقفا على حذر الليبيين من أطماع الغرب البترولية المفرطة.

    13 أغسطس 2016 06:36:00

    إغلاق