على العشاء..لابد أن نلتقي!

نشرت: - 08:54 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 461

media//version4_021023029027.jpg

أعزائي..الآباء والأمهات

لا يخفى ما للاجتماع بين الوالدين والأبناء على مائدة الطعام وتبادل الأحاديث والأخبار في جو أسريّ دافيء من أثر في ربط الأبناء بمؤسسة الأسرة وتأكيد انتمائهم لها؛ مما يحافظ على كونها المؤثر الأقوى في تكوين أفكارهم وتوجهاتهم وبناء قيمهم وأخلاقهم، ولا يخفى أيضاً أن ظاهرة الوجبات السريعة والتي انتشرت في العقود الأخيرة، قد ساهمت بشكل كبير في تراجع هذا التقليد الأسري العريق في مجتمعاتنا، ولعل إيقاع الحياة السريع واكتساح ظاهرة الدروس الخصوصية والتي تبقي الأبناء لفترات طويلة خارج المنزل، وشدة انشغال الأبناء بهواتفهم المحمولة ..كل ذلك ساهم في اكتفائهم بالوجبة السريعة، وعدم اكتراثهم بالمحافظة على تناول الوجبة الرئيسية – على الأقل – مع الأسرة.

فهل ستنجح مائدة الطعام أو "الطبلية"(1) في المحافظة على روح الأسرة ووظائفها المعنوية في الإطاحة بالطاريء الجديد المسمى بالوجبات السريعة أو "التيك واي" ؟؟

الغرب أول يعاني من تلك الظاهرة:

إنّ المجتمعات الغربية التي صدّرت إلينا هذه الوجبات قد باتت تعاني من آثارها السلبية على الأسرة وقال الباحث "تشن بو- زونغ" من كلية روتمان للإدارة في جامعة تورنتو بكندا:

"إن التكنولوجيا التي تجعل الناس تأكل بسرعة تفقدها الإحساس بالراحة وبتناول الطعام مع العائلة تفسد عليهم متعتهم لأن هاجس الاستفادة من الوقت يظل يطاردهم طوال الوقت".

 

وهي رحمةٌ أقرها النبي e :

إن ديننا العظيم قد سبق الشرق والغرب في المنهج التربوي الفريد الذي جاء به، وقد نالت مسألة الاجتماع على الطعام وما لها من أثر اهتماما وتوصية من النبي الكريم e بل كانت هي سنته  e، روى الأمام مسلم في صحيحه : " أَعْتَم رجلٌ عند النبي e ، ثم رجع إلى أهله ، فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه، فحلف ألا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل، فأتى رسول الله e فذكر ذلك له، فقال رسول الله e " من حلف على يمين فرأى غيرها خير منها ؛ فليأتها وليكفر عن يمينه " .. فهذا أحد الصحابة الذين يجالسون الرسول e حتى عتمة الليل، لا يمنعه ذلك من تعاهد أطفاله عند عودته للبيت ليأكل معهم ويجالسهم، وفي الليلة التي تأخر فيها عنهم حتى ناموا؛ ففاته وفاتتهم تلك الجلسة المعتادة ، حزن ـ رضي الله عنه ـ فحلف ألا يأكل، كأنه يعاقب نفسه على إهماله ذلك الواجب اليومي ..!

 

وهي ضرورة تربوية لكل أسرة:

إنّ التأكيد على هذه الجلسة العائلية الدافئة عند الاجتماع على الطعام ليست ترفاً تربوياً، ولكنها وسيلة ناجحة وهامة من وسائل التربية المتوازنة، فالاجتماع على الطعام وتبادل الأحاديث المفعمة بالحب والودّ بين الوالدين وأبنائهم، يمنحهم الكثير من الإشباع العاطفي والاستقرار النفسي، كما يمنحهم شعوراً أكيداً بالقبول والاحترام عند والديهم، مما يولد في أنفسهم قدراً من الثقة في النفس والاستعداد الايجابي المرتفع لتلقي توجيهات الوالدين، وهذا ما يؤكده المختصون، تقول د.سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس:

(إنّ قوة العلاقة الأسرية ترتبط بقدرة أفرادها على الترابط والتلاحم، فاجتماع الأسرة يوميا على تناول الطعام يكوّن فرصة لحل الكثير من المشاكل ويمثل ضرورة لبقاء الحياة الأسرية.

 

وأضافت: لابد أن تبذل كل أسرة مجهودا كبيرا حتى يجتمع كل أفرادها على تناول الطعام لأن ذلك بمثابة الغذاء الروحي الذي تحتاجه الأسرة ولا يمكن أن تستغني عنه، كما لا يمكن التنازل عنه بدعوى الانشغال أو عدم الأهمية).

بل إن غياب هذا الاجتماع الأسري قد يؤدي لدخول أحد أفراد الأسرة في أزمات نفسية، يقول الدكتور أحمد عكاشة، الطبيب النفسي:

(تتولد أزمات نفسية لدى بعض أفراد الأسرة في حال غياب اللقاء اليومي سواء كان على الطعام أو اللقاء المنفرد والذي يبدو صعبا بالنسبة لحالات كثيرة من الأسر بسبب الارتباطات الخاصة بالعمل أو بعض المسؤوليات والمهام.

وأضاف: (إنّ غياب هذه الاجتماعات قد يؤدي إلى أزمات نفسية، فالأبناء يحتاجون الوالدين أكثر مما يحتاجون إلى الطعام، والاجتماع على الطعام بشكل يومي ومتكرر؛ يخلق التواصل الجيد بين أفراد الأسرة، فالأبناء يحتاجون لمترجم يفهمهم ويكون قريبا منهم، وهذا لا يتم إلا من خلال الأسرة على مائدة الطعام.

ومن فوائد اجتماع الأسرة على الطعام أيضاً:

- إشعار الأبناء بمحبة الوالدين وتقديرهما: وقد أكدت الدراسات التربوية هذه الحقيقة ففي دراسة أسبانية أكدت أن:" جمع شمل الأسرة حول مائدة الطعام يعزز استقرار الصحة النفسية والعقلية لدى الأبناء، وتوصلت الدراسة إلى أن الأبناء في سن المراهقة الذين يشاركون آباءهم في تناول الطعام يتمتعون بحالة نفسية جيدة، وأن تناول الوجبات اليومية التي تضم جميع أفراد الأسرة ولأكثر من خمس مرات في الأسبوع  له أثر جيد على الصحة النفسية للأبناء-" - نقلا عن جريدة الأهرام المصرية،عدد:42046 الجمعة 18/1/2002 - .

 

- توفير جو الأمن النفسي للأبناء: فالوجبة العائلية تؤدي دوراً في التكوين النفسي للأبناء، حيث تطمئن المراهق والطفل, إذ أن لقاء الوالدين, خصوصًا العاملين, أبناءهما حول طاولة الطعام يترك انطباعًا جيدًا عندهم بأن والديهم حاضران وأنهما مرجع لهم وإن كانا لا يمضيان الكثير من الوقت معهم.

- خلق فرص تربوية رائعة:

إنّ اجتماع العائلة على مائدة الطعام يعلم الأبناء آداب السلوك ويخلق فرصاً كثيرة ومتنوعة للتواصل الجيد بين الوالدين وأبنائهما، وهذا يؤدي بكل تأكيد إلى تدعيم ارتباط الأبناء بالأسرة وتوثيق العلاقة بين أفرادها، ونذكر ببعض هذه الفرص و الأفكار التربوية، مثل:

- تأديب الصغار من الأبناء عملياً، وبرفق، وتدريبهم على التصرف السليم أثناء تناول الطعام، وعلى آداب الحديث الجماعي، وغيرها، عن عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ (2)، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ " – متفق عليه -  

- خلق مجالات للحوار المفتوح :

يمكنك- عزيزي المربي- أن تعقد حلقة نقاشية مع أفراد أسرتك، عند تناول الطعام، والجديد هنا هو حداثة الموضوعات المطروحة مثل: كيف يمكننا التغلب على الشعور بالبرد في فصل الشتاء؟ أو كيف ننظم شراء حاجيات المنزل؟أو كيف نرتب زيارة عائلية لقريب مقيم في مدينة أخرى؟

والغرض من هذا النقاش هو إشاعة جو الألفة والمحبة داخل الأسرة، مع تدريب الأبناء على التعبير عن وجهات نظرهم ومشاعرهم، بالإضافة إلى تعليمهم بعض آداب الحوار والنقاش بصورة ودّية وعملية.

- شخصية الشهر:

يمكنك- أيها المربي الكريم- أن تختار بمشاركة أبنائك شخصية تاريخية إسلامية لتكون شعاراً لهذا الشهر، وتتحدث عنها معهم أثناء تناول وجبة الغذاء أو العشاء، وتحاول ألا ينقضي الشهر إلا بعد أن يكون أبناؤك قد درسوا معالم هذه الشخصية.

- خلق الشهر:

كذلك يمكنك أن تختار خلق الشهر، ثم تشترك مع أبنائك في جمع القصص التي تدور حول هذا الخلق، ثم الاتفاق على وسائل عملية تطبقونها معاً في التخلق بهذا الخلق.

- أيام لا تنسى:

هل جربت مرة أن تقص على أبنائك قصصاً من حياتك أو مواقف مررت بها؟..

لقد حان الوقت لكي تفعل ذلك أثناء الغداء أو العشاء أو أثناء تناول الشاي بعدهما، وسترى بريقاً في أعين صغارك وهم يتابعون بشغف ما تسرده عليهم.

 

- فلترتاحي اليوم يا أمي!!

في هذا اليوم سيمنح الأب والأبناء للأم الغالية إجازة من أعمال المطبخ والطهي، وستقوم أنت أيها الأب الكريم بالاشتراك مع أبنائك في إعداد طعام الغداء أو العشاء، ثم غسل الأطباق وإعداد الشاي، وهكذا ستعيش الأسرة روح التعاون والحب والمودة، ويشعر الجميع بالقدر الحقيقي للمجهود الذي تبذله الأم يومياً من أجل راحتنا جميعاً.فكم نتصور سيكون هذا اليوم رائعاً؟ لنطبق الفكرة ونستمتع بما فيها من متعة وفائدة!!

 

 

وأخيراً..

كم هو رائع و جميل أن ينتظر الابن عودة أبيه إلى المنزل, حتى يشاركه في لهوه وطعامه، أو يناقشه في آماله، أو يسمع منه حكايات لطيفة  تنطبع معانيها في فؤاده طوال عمره، وعلى الأب ألا يغفل عن هذا الأمر مهما كثرت شواغله، ولنكن إيجابيين ونبدأ من اليوم التمسك بالاجتماع العائلي على الطعام، ولنحوّل أوقات تناول الطعام من عادات رتيبة إلى أوقات رائعة مع أبنائنا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • طبلية : طاولة مستديرة يؤكل عليها ، جمع : طبالي . المعجم: الرائد
  • الصحفة:الإناء الذي يحتوي طعاماً يُشْبِع خمسة رجال

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق