الله والمثل عند أفلاطون ...[7]

نشرت: - 12:20 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 21281

تحدثنا قبل ذلك عن أفلاطون ومنهجه الفلسفي الذي يعتبر عصر نضوج للفلسفة، واليوم نطلع على بعض آراء أفلاطون الفلسفية في بعض القضايا[1].

أولًا ـ الله عند أفلاطون:

لقد قاد أفلاطون تفكيره إلى إدراك الألوهية والاعتراف بوجود إله لهذا الكون مـدبر لـه ومهيمن عليه، وحكى عنه تلامذته أنه كان يقول:إن للعالم محدثًا مبدعًا، أزليًا واجبًا بذاته، عالم بجميع معلوماته على صفة الأسباب الكلية، كان في الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل إلا مثالًا عند الباري تعالى.

والاعتقـاد في الألوهية واجـب علـى كـل إنسان، وهذا الاعتقاد ليس طارئًا ولا مكتسبًا، إنه مغروز في طبيعة الـنفس الإنسـانية، فالإنسان طُبِع على التدين، والاعتقاد بوجود إله أمر مركوز في طبيعـة الإنسـان التـي خُلِقت مع فطرته التي فطره الله عليها.

ولذا؛ فإن معرفة الله واجبة، وعبادة الله وتعظيمـه فرض على كل إنسان، وربما يعبر عن وجود الله بالهيولي، وربما يعبر عنه بالعنصر!! قال : ( أبـدع البـاري العقـل الأول ، وبتوسطه النفس الكلية، وقد انبعث عن العقل انبعاث الصورة في المـرآة، وبتوسـطهما [ توسط العقل والنفس ] أبدع العنصر، وليس المقصود بهذا العنصر الهيولي التـي هـي موضوع الصور الحية إنما عنصر أخر.

ويثبت أفلاطون وجود الله تعالى بدليلين هما -1: دليل الحركة      .2- دليل النظام

وهو يستمد هذين الدليلين من ظاهرتي الحركة الجارية في الوجـود والمتعاقبـة على كل موجوداته، وظاهرة النظام البادي في كل جزء من أجزاء الوجود.

أما عن وصف أفلاطون للإله؛ فقد وصف الله بالوجود والوحدة، ثم أضاف إليه من الصفات مـا يجعلـه موجودًا منفردًا عن كل ما سواه، وبما استحق به أن يكون فوق قمـة الموجـودات، وأن يكون مدبِّرها وصانعها.

فمن صفات الله أنه روح عاقل منظم، متصف بالجمال والخير والعدل والكمـال والبساطة، ثابت لا يعتريه تغير، صادق لا يعرض له الكذب، لا يخضع للزمان، يكـون وحده في حاضر مستمر، يتجه إلى العالم بعنايته التي لا تقتصر على كلي دون جزئي أو جزئي دون كلي.

 ثانيًا ـ الطبيعة عند أفلاطون:

يفسر أفلاطون الكون على أساس نظريته في المثل وثنائية العالم؛ فالعالم كان في المبدأ مادة مبهمة غير معينة، ولا يعرف عنها غير صلاحيتها لتقبُّل الصور، وأن هـذه المادة تحركت أولًا حركة اتفاقية باستمرار حتى اتحدت ذراتها المتشابهة بالشكل وكوَّنت العناصر الأربعة، وبعد أن وصلت تلك المادة إلى هذا النظام عَيَّن الصـانع لكـل منهـا مكانًا .

ولا يقصد أفلاطون بالحركة الاتفاقية ما قصده الطبيعيون من القول بالصدفة والاتفاق، بل قصد أن الصانع المبدع المدبر وضع الروح فوق المادة فأَلّفت الانسجام والنظام الحاصل بين الأشياء، والكمال الموجود بين الكائنات نظمته قوة عاقلة هي التي تسير العالم إلـى غاية، ويبدو من كلام أفلاطون أن العالم مكوَّن محدث، مما جعل أرسطو يعتبره مخالفًا للفلاسفة الأقدمين.

ثالثًا ـ المثل عند أفلاطون :

وصف أفلاطون العالم المعقول بأنه إلهي لاشتراكه مـع الإلـه فـي الروحيـة والعقـل، لكنـه يصنـف العالم العقلي في مراتب مختلفة أعلاها وفوق قمتهـا جميعـا الله عز وجل.

وكان كثيرًا ما يطلق اسم الإله أو الإلهي على بعض المثل :كمثال الخير ومثال الجمال، وآلهة الكواكب، وآلهة الجن!!! وكل ما عدا الله من مجردات هي مبادئ للتـدبير آلهة باشتراك الاسم فقط، لأن كل واحد منهم يمثل قمة نوع أو مقولة، ولا يأخذون كـل خصائص الله، وإنما يستمدون منه وحدة وجودهم وخلودهم.

ويرى أفلاطون أن المعاني الكلية المجردة لها وجود وتحقق ذاتـي فيمـا وراء الطبيعة، وهذه المعاني أو الجواهر المجردة لا تدركها الحواس ولا يطرأ عليهـا الفسـاد والفناء، ووجودها هو موضوع العلم اليقيني، ولولا وجود هذه الجواهر ما استفدنا العلم، وما استطعنا العلم بشيء علمًا يقينيًا، إنها العلم المعقول الذي هو أصل العالم المحسـوس ومثالٌ له، فالكليات هي الموجود الحقيقي.

أما هذا الموجود المادي فليس إلا ظلًا وخيـالًا له، فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة الأولية أو الهيولي، والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولي، وبين ذلك كائنات على درجات، تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي. وهذه الكائنات المتوسطة، بعضها أرباب، وبعضها أنصـاف أرباب، وبعضـها نفوس بشرية. وقد ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة، ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم، فإن العقل المطلق كمال لا يحدُّه الزمان والمكان، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة، فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولَّت الخلق، لتوسطها بين الإله القادر والهيولي العاجزة!!! فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين!!!

ومما سبق يتبين لنا أن أفلاطون يرى أن هناك عالمين اثنين:

 العالم الأول: عالم الحس المشاهد، دائم التغير، عسير الإدراك، ليس جديرًا بـأن يسـمَّى موجودًا، ولا يسمَّى إدراكه علمًا، بل هو شبيه بالعلم؛ لأنه ظل وخيال للموجود الحقيقي .

العالم الثاني: عالم المجردات، فيه أصول العالم الحسي وهو مثاله الذي صـيغت عليـه موجوداته كلها؛ ففي عالم المثل يوجد لكل شيء مثال هو في الحقيقة الموجود الكامل لأنه مثال للنوع لا للجزء المتغير الناقص؛ ففي عالم المثل إنسانية الإنسان وحيوانية الحيوان، وخيرية الخير، وشكلية الشكل ... وهكذا.

ومثال ذلك: أنا إذا نظرنا في أفراد الإنسان الممثلة في إبراهيم وزيد وعلي؛ وجدنا كلًّا من هذه الأفراد جسمًا ناميًا ومتحركًا بإرادته، وهي ما نعبر عنه بقولنـا: حيـوان، ووجدناها تشترك أيضًا في التفكير بالقوة المعبرة عنه بـ "النطق"، وبجوار هذه الصـفات الجوهرية المشتركة بين جميع الأفراد توجد صفات عارضة؛ كالنوم والمرض والمشـي، فنستبعد الصفات العارضة ونبقي الصفات الجوهرية، مرتِّبين إياها في جـنس وفصـل، فيصبح التعريف حينئذ تعريفًا بالحد التام، حيث يكون تعريف الإنسان "حيـوان نـاطق"، وكل من الحيوان والناطق مُدرَك عقلي منتزع من أفراد الإنسان الحسية بعد تجريده من المادة، فهو صورة عقلية مجردة عن المادة.

وهذه الصورة العقلية المجردة لها حقيقة خارجية مجردة عن المادة، لهـا كيـان خارجي مستقل بحيث تكون تلك الصورة مرآة لها ومنطبعة عليها، هذه الحقيقة الخارجية المجردة التي تنطبق عليها الصورة العقلية الكلية هـي مـا يسـميها أفلاطـون"مثـال الإنسان".

فمثال الإنسان: هو تلك الحقيقة المجردة الكائنة في العالم المعقول وهو عالم المثل، نظر إليه الصانع وصنع على شكله أشخاص الإنسان المحسوسة، وبين العـالم الحسي وعالم المثل يوجد العقل الإنساني، الذي تتحقق فيه معرفة حالة من حـالات تلـك المعاني الكلية والجواهر المجردة.

وعلى هذا؛ فإن الأشياء لها ثلاث وجودات:

الأول: أعلاها وجود المجردات في عالم المثل.

الثاني: أوسطها وجودها الذهني غير الخارجي، وبواسطتها يمكن الحكم على المحسوسات ومعرفة المجردات في عالم المثل.

الثالث: أدناها وأحطها وهو وجودها المشاهد في عالم الحس.

الهوامش:

[1] بغض النظر عما في هذه الأراء من انحراف وعدم صحة، وسوف نختم تلك السلسلة بمقال عن حكم الفلسفة وكلام العلماء ـ كالشهرستاني والغزالي وابن تيمية ـ عن الفلسفة وعلم المنطق.

 

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    كشف تفاصيل الخلية التى زرعها الحوثي وصالح في مأرب

    تمكنت الأجهزة الأمنية اليمنية بمحافظة مأرب من التوصل إلى أسماء عدداً من الإرهابيين الذين زرعهم الحوثي وصالح بينهم نساء لتنفيذ أعمال ارهابية بمأرب ضد الجيش والمقاومة.

    06 مايو 2016 03:00:00

    مغردون أتراك لـ"أوغلو": أعطيتنا درسا في الوفاء

    أطلق المغردون الأتراك، مئات الآف من التدوينات عقب خطاب “الوداع”، التي أعلن من خلالها رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، اعتزاله رئاسة حزب العدالة والتنمية، عقب الاجتماع الاستثنائي للحزب

    06 مايو 2016 02:30:00

    غواصة نووية أمريكية تتسبب بمواجهة بين إسبانيا وبريطانيا

    تسببت غواصة نووية أمريكية بمواجهة بين قاربين تابعين لقوات حفر السواحل البريطانية وخدمة الرقابة الحدودية الإسبانية بالقرب من ميناء جبل طارق.

    06 مايو 2016 02:15:00

    دراسة:ثلث ضحايا الحروب في العالم عام 2015 من سوريا

    كشفت دراسة لمعهد لندن الدولي للدراسات الاستراتيجية عن إن 167 ألف شخص لقوا مصرعهم في 2015 بسبب صراعات مسلحة .

    06 مايو 2016 02:00:00

    القسام تكشف كذب الاحتلال بشأن النفق

    أكدت كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة حماس، أن النفق الذي يتحدث عنه جيش الاحتلال الصهيوني هو ذات النفق الذي نفذ منه القسام أولى عمليات الإنزال خلف الخطوط

    06 مايو 2016 01:45:00

    حماس: وساطات مصرية وقطرية لتهدئة الوضع العسكري في غزة

    كشفت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عن اتصالات من وساطات عربية وأممية، لتهدئة الأوضاع الميدانية في قطاع غزة، ووقف التصعيد الصهيوني.

    06 مايو 2016 01:30:00

    متى تتوقف طهران عن تجنيد الأطفال؟!

    قامت الحكومة الإيرانية مؤخراً ببث مقطع فيديو يتضمن عملية تجنيد أحد الأطفال بقوات التعبئة الشعبية "الباسيج" بغرض إرساله لمشاركة الميليشيات الإيرانية التي تُقاتِل إلى جوار بشار الأسد.

    05 مايو 2016 08:22:00

    حروب اللغة .. حين يتم تفريس الإنسان قبل الأرض في سوريا

    من المألوف أن نسمع عن حروب النفط أو حروب المياه أو حروب الأرض والجغرافيا أما مصطلح حروب اللغة وهو إن كان ملحوظا ضمنيا كأداة من أدوات الصراع والهيمنة إلا أنه كمصطلح لم يلق العناية الكافية.

    03 مايو 2016 08:34:00

    هل تشهد تونس ثورة جديدة؟!

    وقد شمل تقرير "العفو الدولية" العديد من انتهاكات حقوق الإنسان في تونس عقب ثورة 2010 منها التعذيب البدني والاغتصاب والتهديد به.

    01 مايو 2016 09:34:00

    خيارات العراق المُرة؛ إما الصّدر وإما التقسيم

    العراق بلد لم يستطع شعبه أن يتجاوز ذكريات الماضي المريرة ، وهو ما زال يجترها مرة بعد مرة ، حتى أوشك هذا البلد الكبير على الانفجار والانقسام .

    30 أبريل 2016 12:16:00

    الأزمة السورية بين مطرقة موسكو وسندان واشنطن

    والغريب حقاً أن واشنطن تحاول إقناع حلفائها في منطقة الشرق الأوسط بحذو حذوها تجاه الأزمة السورية بل أنها تحاول تقريب وجهات النظر بين حلفائها وبين الروس فيما يخص تلك الأزمة.

    25 أبريل 2016 08:22:00

    كيف نفهم التقارب التركي الإيراني الأخير؟

    لم يعد هناك ثمة ثوابت أو خطوط حمراء في ساحة الأحداث ، أمام تسوماني التغييرات الإقليمية والدولية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع ثورات الربيع العربي.

    23 أبريل 2016 09:44:00

    إغلاق