الله والمثل عند أفلاطون ...[7]

نشرت: - 12:20 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 20714

تحدثنا قبل ذلك عن أفلاطون ومنهجه الفلسفي الذي يعتبر عصر نضوج للفلسفة، واليوم نطلع على بعض آراء أفلاطون الفلسفية في بعض القضايا[1].

أولًا ـ الله عند أفلاطون:

لقد قاد أفلاطون تفكيره إلى إدراك الألوهية والاعتراف بوجود إله لهذا الكون مـدبر لـه ومهيمن عليه، وحكى عنه تلامذته أنه كان يقول:إن للعالم محدثًا مبدعًا، أزليًا واجبًا بذاته، عالم بجميع معلوماته على صفة الأسباب الكلية، كان في الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل إلا مثالًا عند الباري تعالى.

والاعتقـاد في الألوهية واجـب علـى كـل إنسان، وهذا الاعتقاد ليس طارئًا ولا مكتسبًا، إنه مغروز في طبيعة الـنفس الإنسـانية، فالإنسان طُبِع على التدين، والاعتقاد بوجود إله أمر مركوز في طبيعـة الإنسـان التـي خُلِقت مع فطرته التي فطره الله عليها.

ولذا؛ فإن معرفة الله واجبة، وعبادة الله وتعظيمـه فرض على كل إنسان، وربما يعبر عن وجود الله بالهيولي، وربما يعبر عنه بالعنصر!! قال : ( أبـدع البـاري العقـل الأول ، وبتوسطه النفس الكلية، وقد انبعث عن العقل انبعاث الصورة في المـرآة، وبتوسـطهما [ توسط العقل والنفس ] أبدع العنصر، وليس المقصود بهذا العنصر الهيولي التـي هـي موضوع الصور الحية إنما عنصر أخر.

ويثبت أفلاطون وجود الله تعالى بدليلين هما -1: دليل الحركة      .2- دليل النظام

وهو يستمد هذين الدليلين من ظاهرتي الحركة الجارية في الوجـود والمتعاقبـة على كل موجوداته، وظاهرة النظام البادي في كل جزء من أجزاء الوجود.

أما عن وصف أفلاطون للإله؛ فقد وصف الله بالوجود والوحدة، ثم أضاف إليه من الصفات مـا يجعلـه موجودًا منفردًا عن كل ما سواه، وبما استحق به أن يكون فوق قمـة الموجـودات، وأن يكون مدبِّرها وصانعها.

فمن صفات الله أنه روح عاقل منظم، متصف بالجمال والخير والعدل والكمـال والبساطة، ثابت لا يعتريه تغير، صادق لا يعرض له الكذب، لا يخضع للزمان، يكـون وحده في حاضر مستمر، يتجه إلى العالم بعنايته التي لا تقتصر على كلي دون جزئي أو جزئي دون كلي.

 ثانيًا ـ الطبيعة عند أفلاطون:

يفسر أفلاطون الكون على أساس نظريته في المثل وثنائية العالم؛ فالعالم كان في المبدأ مادة مبهمة غير معينة، ولا يعرف عنها غير صلاحيتها لتقبُّل الصور، وأن هـذه المادة تحركت أولًا حركة اتفاقية باستمرار حتى اتحدت ذراتها المتشابهة بالشكل وكوَّنت العناصر الأربعة، وبعد أن وصلت تلك المادة إلى هذا النظام عَيَّن الصـانع لكـل منهـا مكانًا .

ولا يقصد أفلاطون بالحركة الاتفاقية ما قصده الطبيعيون من القول بالصدفة والاتفاق، بل قصد أن الصانع المبدع المدبر وضع الروح فوق المادة فأَلّفت الانسجام والنظام الحاصل بين الأشياء، والكمال الموجود بين الكائنات نظمته قوة عاقلة هي التي تسير العالم إلـى غاية، ويبدو من كلام أفلاطون أن العالم مكوَّن محدث، مما جعل أرسطو يعتبره مخالفًا للفلاسفة الأقدمين.

ثالثًا ـ المثل عند أفلاطون :

وصف أفلاطون العالم المعقول بأنه إلهي لاشتراكه مـع الإلـه فـي الروحيـة والعقـل، لكنـه يصنـف العالم العقلي في مراتب مختلفة أعلاها وفوق قمتهـا جميعـا الله عز وجل.

وكان كثيرًا ما يطلق اسم الإله أو الإلهي على بعض المثل :كمثال الخير ومثال الجمال، وآلهة الكواكب، وآلهة الجن!!! وكل ما عدا الله من مجردات هي مبادئ للتـدبير آلهة باشتراك الاسم فقط، لأن كل واحد منهم يمثل قمة نوع أو مقولة، ولا يأخذون كـل خصائص الله، وإنما يستمدون منه وحدة وجودهم وخلودهم.

ويرى أفلاطون أن المعاني الكلية المجردة لها وجود وتحقق ذاتـي فيمـا وراء الطبيعة، وهذه المعاني أو الجواهر المجردة لا تدركها الحواس ولا يطرأ عليهـا الفسـاد والفناء، ووجودها هو موضوع العلم اليقيني، ولولا وجود هذه الجواهر ما استفدنا العلم، وما استطعنا العلم بشيء علمًا يقينيًا، إنها العلم المعقول الذي هو أصل العالم المحسـوس ومثالٌ له، فالكليات هي الموجود الحقيقي.

أما هذا الموجود المادي فليس إلا ظلًا وخيـالًا له، فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة الأولية أو الهيولي، والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولي، وبين ذلك كائنات على درجات، تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي. وهذه الكائنات المتوسطة، بعضها أرباب، وبعضها أنصـاف أرباب، وبعضـها نفوس بشرية. وقد ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة، ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم، فإن العقل المطلق كمال لا يحدُّه الزمان والمكان، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة، فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولَّت الخلق، لتوسطها بين الإله القادر والهيولي العاجزة!!! فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين!!!

ومما سبق يتبين لنا أن أفلاطون يرى أن هناك عالمين اثنين:

 العالم الأول: عالم الحس المشاهد، دائم التغير، عسير الإدراك، ليس جديرًا بـأن يسـمَّى موجودًا، ولا يسمَّى إدراكه علمًا، بل هو شبيه بالعلم؛ لأنه ظل وخيال للموجود الحقيقي .

العالم الثاني: عالم المجردات، فيه أصول العالم الحسي وهو مثاله الذي صـيغت عليـه موجوداته كلها؛ ففي عالم المثل يوجد لكل شيء مثال هو في الحقيقة الموجود الكامل لأنه مثال للنوع لا للجزء المتغير الناقص؛ ففي عالم المثل إنسانية الإنسان وحيوانية الحيوان، وخيرية الخير، وشكلية الشكل ... وهكذا.

ومثال ذلك: أنا إذا نظرنا في أفراد الإنسان الممثلة في إبراهيم وزيد وعلي؛ وجدنا كلًّا من هذه الأفراد جسمًا ناميًا ومتحركًا بإرادته، وهي ما نعبر عنه بقولنـا: حيـوان، ووجدناها تشترك أيضًا في التفكير بالقوة المعبرة عنه بـ "النطق"، وبجوار هذه الصـفات الجوهرية المشتركة بين جميع الأفراد توجد صفات عارضة؛ كالنوم والمرض والمشـي، فنستبعد الصفات العارضة ونبقي الصفات الجوهرية، مرتِّبين إياها في جـنس وفصـل، فيصبح التعريف حينئذ تعريفًا بالحد التام، حيث يكون تعريف الإنسان "حيـوان نـاطق"، وكل من الحيوان والناطق مُدرَك عقلي منتزع من أفراد الإنسان الحسية بعد تجريده من المادة، فهو صورة عقلية مجردة عن المادة.

وهذه الصورة العقلية المجردة لها حقيقة خارجية مجردة عن المادة، لهـا كيـان خارجي مستقل بحيث تكون تلك الصورة مرآة لها ومنطبعة عليها، هذه الحقيقة الخارجية المجردة التي تنطبق عليها الصورة العقلية الكلية هـي مـا يسـميها أفلاطـون"مثـال الإنسان".

فمثال الإنسان: هو تلك الحقيقة المجردة الكائنة في العالم المعقول وهو عالم المثل، نظر إليه الصانع وصنع على شكله أشخاص الإنسان المحسوسة، وبين العـالم الحسي وعالم المثل يوجد العقل الإنساني، الذي تتحقق فيه معرفة حالة من حـالات تلـك المعاني الكلية والجواهر المجردة.

وعلى هذا؛ فإن الأشياء لها ثلاث وجودات:

الأول: أعلاها وجود المجردات في عالم المثل.

الثاني: أوسطها وجودها الذهني غير الخارجي، وبواسطتها يمكن الحكم على المحسوسات ومعرفة المجردات في عالم المثل.

الثالث: أدناها وأحطها وهو وجودها المشاهد في عالم الحس.

الهوامش:

[1] بغض النظر عما في هذه الأراء من انحراف وعدم صحة، وسوف نختم تلك السلسلة بمقال عن حكم الفلسفة وكلام العلماء ـ كالشهرستاني والغزالي وابن تيمية ـ عن الفلسفة وعلم المنطق.

 

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    بريطانيا تعلن تقديم مساعدات لوجيستية للسعودية

    أعلن وزير الخارجية البريطانية فيليب هاموند تقديم بلاده مساعدات لوجيستية إلى السعودية في حربها ضد الحوثيين في اليمن؛ وذلك في إطار العلاقات العسكرية الوثيقة بين البلدين.

    28 مارس 2015 12:40:00

    مقتربين من مربعها الأمني.. الثوار يسيطرون على حواجز وسط إدلب

    سيطرت فصائل المعارضة السورية المسلحة - المنضوية تحت غرفة عمليات جيش الفتح - على حواجز جديدة للنظام السوري، وسط مدينة إدلب، ضمن "معركة تحرير إدلب" التي أطلقتها قبل 4 أيام.

    28 مارس 2015 12:30:00

    وزير خارجية اليمن: قوات إيرانية دخلت صنعاء لدعم الحوثيين

    أكد وزير خارجية اليمن، رياض صالح، قيام إيران بإرسال قوات إيرانية، دعماً لجماعة الحوثي

    28 مارس 2015 12:20:00

    بعد دعمه "عاصفة الحزم".. وكالة إيرانية تنشر صورة لأردوغان بالزي الخليجي

    بعد تأييد تركيا للعملية العسكرية التي تقودها السعودية لردع العدوان الحوثي في اليمن، نشرت وكالة أنباء مهر الإيرانية صورة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يرتدي فيه الزي الخليجي المعروف.

    28 مارس 2015 12:10:00

    هل وضع الحوثيون أول موطئ قدم لهم على بحر العرب؟

    تحدث شهود عيان عن سيطرة مسلحين حوثيين على إحدى مدن محافظة أبين في اليمن ليضعوا أول موطئ قدم لهم على بحر العرب.

    27 مارس 2015 11:55:00

    هل يتدخل «تحالف دعم الشرعية» بريًّا في اليمن؟

    واصل تحالف دعم الشرعية في اليمن (عملية عاصفة الحزم)، لليوم الثاني على التوالي، قصف مواقع تابعة للحوثيين وعلي صالح، غير أن تساؤلًا بشأن حدوث تدخل بري من عدمه، ما زال يشغل الألباب.

    27 مارس 2015 11:45:00

    لماذا لم تَدْعُ مصر "إسرائيل" للمؤتمر الاقتصادي؟!

    ويبدي الكاتب استغرابه من عدم دعوة الحكومة "الإسرائيلية" للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي، ويؤكد أن ما ينقص مصر هو أن يتجول "الإسرائيليون" مستثمرين وسياحًا في الشوارع المصرية.

    25 مارس 2015 09:53:00

    دلالات التقارب المصري مع الانقلابيين الحوثيين

    العقلاء من الخبراء الإستراتيجيين يعتبرون أن خطر الحوثيين أصبح الآن أكبر من خطر تنظيم "داعش"، نظرًا للدعم الإيراني للحوثيين من خلال سيطرتهم على أهم المناطق الحيوية باليمن.

    23 مارس 2015 11:45:00

    قاسم سليماني.. والي العراق الجديد

    "اسمي "قاسم سليماني"، فلتعلم أنني أنا من يسيطر على السياسات الإيرانية في العراق ولبنان وغزة وأفغانستان".

    21 مارس 2015 10:27:00

    "مفكرة الإسلام" تكشف تصاعد المد الشيعي في موريتانيا ودور إيران

    على مدار تاريخها الطويل لم يكن للتشيع نفوذ على أرض موريتانيا، فهي تاريخيًّا أرض سنية مالكية المذهب، ولكن تطورات سياسية لاحقة هي التي قادت إلى تنامي نفوذ التشيع...

    19 مارس 2015 10:44:00

    تصريحات البشير عن الإخوان.. المصالح أولى

    ويخشى البشير أن يحسب نظامه الحاكم في السودان على الإخوان المسلمين أو الإسلام السياسي في ظل الجهود التي تبذلها الإمارات ومصر ودول خليجية أخرى للقضاء على القوى الإسلامية

    17 مارس 2015 09:26:00

    "إسرائيل" وسياسة عقاب المعتدى عليه

    أكد الكاتب "الإسرائيلي" عميرا هاس أن العنصرية بصورتها الكاملة والمثلى تجلت داخل "إسرائيل"، وأبرز مثال لذلك في مدينة الخليل حيث يقوم المستوطنون اليهود بتدمير منازل العرب وثقافتهم.

    15 مارس 2015 01:30:00

    إغلاق