الله والمثل عند أفلاطون ...[7]

نشرت: عدد القراء :20496

تحدثنا قبل ذلك عن أفلاطون ومنهجه الفلسفي الذي يعتبر عصر نضوج للفلسفة، واليوم نطلع على بعض آراء أفلاطون الفلسفية في بعض القضايا[1].

أولًا ـ الله عند أفلاطون:

لقد قاد أفلاطون تفكيره إلى إدراك الألوهية والاعتراف بوجود إله لهذا الكون مـدبر لـه ومهيمن عليه، وحكى عنه تلامذته أنه كان يقول:إن للعالم محدثًا مبدعًا، أزليًا واجبًا بذاته، عالم بجميع معلوماته على صفة الأسباب الكلية، كان في الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل إلا مثالًا عند الباري تعالى.

والاعتقـاد في الألوهية واجـب علـى كـل إنسان، وهذا الاعتقاد ليس طارئًا ولا مكتسبًا، إنه مغروز في طبيعة الـنفس الإنسـانية، فالإنسان طُبِع على التدين، والاعتقاد بوجود إله أمر مركوز في طبيعـة الإنسـان التـي خُلِقت مع فطرته التي فطره الله عليها.

ولذا؛ فإن معرفة الله واجبة، وعبادة الله وتعظيمـه فرض على كل إنسان، وربما يعبر عن وجود الله بالهيولي، وربما يعبر عنه بالعنصر!! قال : ( أبـدع البـاري العقـل الأول ، وبتوسطه النفس الكلية، وقد انبعث عن العقل انبعاث الصورة في المـرآة، وبتوسـطهما [ توسط العقل والنفس ] أبدع العنصر، وليس المقصود بهذا العنصر الهيولي التـي هـي موضوع الصور الحية إنما عنصر أخر.

ويثبت أفلاطون وجود الله تعالى بدليلين هما -1: دليل الحركة      .2- دليل النظام

وهو يستمد هذين الدليلين من ظاهرتي الحركة الجارية في الوجـود والمتعاقبـة على كل موجوداته، وظاهرة النظام البادي في كل جزء من أجزاء الوجود.

أما عن وصف أفلاطون للإله؛ فقد وصف الله بالوجود والوحدة، ثم أضاف إليه من الصفات مـا يجعلـه موجودًا منفردًا عن كل ما سواه، وبما استحق به أن يكون فوق قمـة الموجـودات، وأن يكون مدبِّرها وصانعها.

فمن صفات الله أنه روح عاقل منظم، متصف بالجمال والخير والعدل والكمـال والبساطة، ثابت لا يعتريه تغير، صادق لا يعرض له الكذب، لا يخضع للزمان، يكـون وحده في حاضر مستمر، يتجه إلى العالم بعنايته التي لا تقتصر على كلي دون جزئي أو جزئي دون كلي.

 ثانيًا ـ الطبيعة عند أفلاطون:

يفسر أفلاطون الكون على أساس نظريته في المثل وثنائية العالم؛ فالعالم كان في المبدأ مادة مبهمة غير معينة، ولا يعرف عنها غير صلاحيتها لتقبُّل الصور، وأن هـذه المادة تحركت أولًا حركة اتفاقية باستمرار حتى اتحدت ذراتها المتشابهة بالشكل وكوَّنت العناصر الأربعة، وبعد أن وصلت تلك المادة إلى هذا النظام عَيَّن الصـانع لكـل منهـا مكانًا .

ولا يقصد أفلاطون بالحركة الاتفاقية ما قصده الطبيعيون من القول بالصدفة والاتفاق، بل قصد أن الصانع المبدع المدبر وضع الروح فوق المادة فأَلّفت الانسجام والنظام الحاصل بين الأشياء، والكمال الموجود بين الكائنات نظمته قوة عاقلة هي التي تسير العالم إلـى غاية، ويبدو من كلام أفلاطون أن العالم مكوَّن محدث، مما جعل أرسطو يعتبره مخالفًا للفلاسفة الأقدمين.

ثالثًا ـ المثل عند أفلاطون :

وصف أفلاطون العالم المعقول بأنه إلهي لاشتراكه مـع الإلـه فـي الروحيـة والعقـل، لكنـه يصنـف العالم العقلي في مراتب مختلفة أعلاها وفوق قمتهـا جميعـا الله عز وجل.

وكان كثيرًا ما يطلق اسم الإله أو الإلهي على بعض المثل :كمثال الخير ومثال الجمال، وآلهة الكواكب، وآلهة الجن!!! وكل ما عدا الله من مجردات هي مبادئ للتـدبير آلهة باشتراك الاسم فقط، لأن كل واحد منهم يمثل قمة نوع أو مقولة، ولا يأخذون كـل خصائص الله، وإنما يستمدون منه وحدة وجودهم وخلودهم.

ويرى أفلاطون أن المعاني الكلية المجردة لها وجود وتحقق ذاتـي فيمـا وراء الطبيعة، وهذه المعاني أو الجواهر المجردة لا تدركها الحواس ولا يطرأ عليهـا الفسـاد والفناء، ووجودها هو موضوع العلم اليقيني، ولولا وجود هذه الجواهر ما استفدنا العلم، وما استطعنا العلم بشيء علمًا يقينيًا، إنها العلم المعقول الذي هو أصل العالم المحسـوس ومثالٌ له، فالكليات هي الموجود الحقيقي.

أما هذا الموجود المادي فليس إلا ظلًا وخيـالًا له، فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة الأولية أو الهيولي، والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولي، وبين ذلك كائنات على درجات، تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي. وهذه الكائنات المتوسطة، بعضها أرباب، وبعضها أنصـاف أرباب، وبعضـها نفوس بشرية. وقد ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة، ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم، فإن العقل المطلق كمال لا يحدُّه الزمان والمكان، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة، فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولَّت الخلق، لتوسطها بين الإله القادر والهيولي العاجزة!!! فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين!!!

ومما سبق يتبين لنا أن أفلاطون يرى أن هناك عالمين اثنين:

 العالم الأول: عالم الحس المشاهد، دائم التغير، عسير الإدراك، ليس جديرًا بـأن يسـمَّى موجودًا، ولا يسمَّى إدراكه علمًا، بل هو شبيه بالعلم؛ لأنه ظل وخيال للموجود الحقيقي .

العالم الثاني: عالم المجردات، فيه أصول العالم الحسي وهو مثاله الذي صـيغت عليـه موجوداته كلها؛ ففي عالم المثل يوجد لكل شيء مثال هو في الحقيقة الموجود الكامل لأنه مثال للنوع لا للجزء المتغير الناقص؛ ففي عالم المثل إنسانية الإنسان وحيوانية الحيوان، وخيرية الخير، وشكلية الشكل ... وهكذا.

ومثال ذلك: أنا إذا نظرنا في أفراد الإنسان الممثلة في إبراهيم وزيد وعلي؛ وجدنا كلًّا من هذه الأفراد جسمًا ناميًا ومتحركًا بإرادته، وهي ما نعبر عنه بقولنـا: حيـوان، ووجدناها تشترك أيضًا في التفكير بالقوة المعبرة عنه بـ "النطق"، وبجوار هذه الصـفات الجوهرية المشتركة بين جميع الأفراد توجد صفات عارضة؛ كالنوم والمرض والمشـي، فنستبعد الصفات العارضة ونبقي الصفات الجوهرية، مرتِّبين إياها في جـنس وفصـل، فيصبح التعريف حينئذ تعريفًا بالحد التام، حيث يكون تعريف الإنسان "حيـوان نـاطق"، وكل من الحيوان والناطق مُدرَك عقلي منتزع من أفراد الإنسان الحسية بعد تجريده من المادة، فهو صورة عقلية مجردة عن المادة.

وهذه الصورة العقلية المجردة لها حقيقة خارجية مجردة عن المادة، لهـا كيـان خارجي مستقل بحيث تكون تلك الصورة مرآة لها ومنطبعة عليها، هذه الحقيقة الخارجية المجردة التي تنطبق عليها الصورة العقلية الكلية هـي مـا يسـميها أفلاطـون"مثـال الإنسان".

فمثال الإنسان: هو تلك الحقيقة المجردة الكائنة في العالم المعقول وهو عالم المثل، نظر إليه الصانع وصنع على شكله أشخاص الإنسان المحسوسة، وبين العـالم الحسي وعالم المثل يوجد العقل الإنساني، الذي تتحقق فيه معرفة حالة من حـالات تلـك المعاني الكلية والجواهر المجردة.

وعلى هذا؛ فإن الأشياء لها ثلاث وجودات:

الأول: أعلاها وجود المجردات في عالم المثل.

الثاني: أوسطها وجودها الذهني غير الخارجي، وبواسطتها يمكن الحكم على المحسوسات ومعرفة المجردات في عالم المثل.

الثالث: أدناها وأحطها وهو وجودها المشاهد في عالم الحس.

الهوامش:

[1] بغض النظر عما في هذه الأراء من انحراف وعدم صحة، وسوف نختم تلك السلسلة بمقال عن حكم الفلسفة وكلام العلماء ـ كالشهرستاني والغزالي وابن تيمية ـ عن الفلسفة وعلم المنطق.

 

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    إذا وجدت إعلانا مخالفا اضغط هنا

    وزير ألماني: 550 مواطنًا توجهوا للقتال في صفوف "داعش"

    أعلن وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزيير أن حوالي 550 ألمانيا توجهوا للقتال في صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية"، المعروف إعلاميا بـ"داعش"، في سوريا والعراق.

    22 نوفمبر 2014 08:25:00

    "المركزي الليبي" ينفي سيطرة "الإخوان" على إدارته

    نفي مصرف ليبيا المركزي سيطرة جماعة الإخوان المسلمين الليبية على إدارته وصرفه مبلغ 2.55 مليار دينار ليبي (1.9 مليار دولار) لحكومة الإنقاذ الوطني المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام السابق.

    22 نوفمبر 2014 08:15:00

    البورصة المصرية تخسر 14 مليار جنيه

    تباين أداء البورصة، خلال تعاملاتها الأسبوع الماضي، حيث تراجع مؤشرها الرئيسي بشكل طفيف، فيما ارتفع مؤشر الأسهم الصغيرة والمتوسطة، وتراجع رأس المال السوق للبورصة بنحو 14,42 مليار جنيه.

    22 نوفمبر 2014 08:10:00

    أيمن نور يكشف السبب الحقيقي لاعتقال د. بشر (فيديو)

    أيمن نور: السبب الحقيقي لاعتقال د. بشر هو الخوف من الاصطفاف الوطني

    22 نوفمبر 2014 08:00:00

    داود أوغلو: لا نريد أنظمة ظالمة أو منظمات إرهابية في محيطنا

    أكد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، أنه لا يجب أن نرى أبداً في محيطنا، أنظمة تظلم شعبها، وتتسبب في موجة لجوء كبيرة، ولا منظمات إرهابية تستغل هذا الفراغ في القوة، فهذا يعد تهديداً كبير

    22 نوفمبر 2014 07:50:00

    بايدن: استخدام روسيا الطاقة كأداة ضد جيرانها انتهاك للقوانين الدولية

    أفاد نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، اليوم السبت، أن استخدام روسيا للطاقة كأداة لسياستها الخارجية ضد جيرانها يعد انتهاكاً للقوانين الدولية وقوانين التجارة الأساسية.

    22 نوفمبر 2014 07:40:00

    هل تتحول ليبيا إلى فيتنام العرب ؟

    قرار التدخل العسكري الجزائري والمصري المشترك ضد ليبيا لن يُتخذ إلا من تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي والذي وضع بنفسه الإستراتيجية الأمريكية نحو تقويض ثورات الربيع العربي

    04 أغسطس 2014 08:46:00

    الشعب المصري أسقط السيسي ومشروعه

    نعم انهارت خارطة السيسي، وما يحدث من محاولات للاستمرار مجرد حلاوة روح، وهم شعروا بالزلزال أكثر من الكثير منا، ففقدوا صوابهم وتخبطوا وسنرى ما يسر الشعب الصابر بإذن الله.

    30 مايو 2014 08:13:00

    رمال الخليج المتحركة

    قبل حوالي 3 عقود، وتحديدًا عام 1981، تأسس «مجلس التعاون الخليجي» لمواجهة الخطر الإيراني المتنامي بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 .

    10 مارس 2014 09:41:00

    مفارقات بين تركيا أتاتورك وأردوغان

    وفي الأخير، أقول: إن الصخرة التي تعتري طريقنا لا تعيقنا، بل نصعد عليها إلى الأرقى بإذن الله تعالى.

    06 يونيو 2013 02:42:00

    عن الموقف الطائفي والموقف المبدئي

    هذا هو الفرق بين الموقف الحر، وبين الموقف المذهبي أو الطائفي أو الحزبي الذي يتدثر بالمقاومة والممانعة ليخفي سوأته، فيما الأولى أن ينحاز أولا وقبل كل شيء لحرية الشعوب.

    05 يونيو 2013 01:49:00

    الشركات الأمريكية والأوروبية وخطة السطو على النيل

    علينا أن نستعيد قوة الدولة المصرية وأن نوقف عمليات الاستنزاف الحادثة الآن، وعلينا أن نسعى لجمع عمقنا الاستراتيجي الشعبي والعربي والإسلامي لقطع الطريق على من يريدون ذبحنا بكل ما يملكون،

    04 يونيو 2013 09:25:00

    إغلاق