التقارب الأمريكي – الروسي .. على حساب من

مفكرة الإسلام : 'على امتداد الخمسين سنة المقبلة لن تستطيع روسيا بأن تكون أكثر من قوة إقليمية' ، برغم هذا التعليق لمستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس ، والذي يعكس دون شك اللا مبالاة النسبية التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش في علاقاتها مع موسكو إلا أن العلاقات الروسية الأمريكية شهدت تطورا كبيرا في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر بعد أن قدم الرئيس بوتن دعما معنويا كبيرا للولايات المتحدة في تلك الفترة الحالكة التي مرت بها .
ومنذ ذلك الوقت فإن الرئيسين يفتخران بمناداة بعضهما البعض بالصديق.
لم يكن التقارب بين البلدين بسبب هجمات 11 سبتمبر فحسب ، بل أن الصحافة الروسية تعتبر الرئيس الأمريكي جورج بوش هو النموذج الأمريكي لبوتين ، حيث منذ اللحظة الأول لنجاح الرئيس الأمريكي فى الانتخابات الرئاسية والصحف الروسية تؤكد أن تولي الجمهوري 'جورج بوش الابن' لرئاسة الولايات المتحدة ينذر بنهاية الإصلاحيين الروس الذين كانوا يتلقون دعم الديموقراطي 'بيل كلينتون' طوال ثماني سنوات .
واعتبرت الصحف الروسية وقتها '.. وأن بوش وفريقه هو النسخة الأمريكية من بوتين' .
منذ ذلك الحين بدأ التقارب بين الرئيسين بوش وبوتين ، وبالطبع لم يكن هذا اللقاء هو الأول بينهما ولكن سبقته عدة لقاءات .
وكانت السمة الغالبة على جميع اللقاءات بين الطرفين هو التنازل من قبل الطرف الروسي تحقيقا لقولة رايس 'على امتداد الخمسين سنة المقبلة لن تستطيع روسيا بأن تكون أكثر من قوة إقليمية' ، وهو أمر دفع بعض المتابعين للعلاقات الروسية الأمريكية لاعتبار أن التقارب الأمريكي الروسي إنما هو عرض مؤقت و'يوم' من أيام الحياة الطويلة الحافلة بالتناقض والتعارض ، فأمريكا – المغرورة بقوتها - لن تنظر إلى روسيا نظرة المساواة والتعادل، ووسائل إعلامها تغسل عقل المواطن الأمريكي بصورة 'روسيا الغارقة في مشكلات الفساد والمافيا السياسية وتدني الأجور، وانخفاض مستوى المعيشة' .
وتابع بعض المراقبين مؤشرات اختلال العلاقة بين الجانبين ، وخاصة التراجع الروسي الذي جاء على مستويات مختلفة :
فعلى المستوى الجيوإستراتيجي قامت روسيا بإغلاق قواعدها العسكرية في أماكن مهمة من العالم ، ويتعرض كثير من الخبراء في الشأن الأمريكي الروسي إلى أن ما تقوم به روسيا الآن - من توقيعها لاتفاقية الحد من الأسلحة الإستراتيجية - هو حلقة جديدة في سلسلة 'التقهقر الروسي' الذي بدأت ملامحه تتضح أكثر فأكثر، بعد إخلاء عديد من القواعد العسكرية الروسية في مواقع جغرافية شديدة الحساسية للأمن القومي الروسي ولمكانتها كقوة عالمية، وعلى رأسها بعض القواعد الروسية في جورجيا، وحلت محلها قوات أمريكية وقواعد في فيتنام وكوبا ، في الوقت الذي تنشئ فيه قواعد أمريكية في آسيا والقوقاز الجنوبي [المجال الحيوي للأمن القومي الروسي].
وعلى مستوى التسليح، لا يعتبر التوقيع على معاهدة خفض الأسلحة النووية نقطة تحول للعسكرية الروسية، فقبل ذلك كانت معالم 'التخفيض' واضحة. فقد تم الإعلان منذ عامين عن عملية تسريح ثلث عدد الجيش الروسي [من إجمالي مليون و200 ألف جندي] لخفض الميزانية التي يلتهم الأنفاق العسكري أغلبها [ 5.2 مليارات دولار، في قابل 30 مليارا ميزانية التسليح لدى الولايات المتحدة]، وهو ما مثّل اعترافاً ضمنياً من قبل الحكومة الروسية بعجزها عن تحمل النفقات الضخمة التي يتطلبها الاحتفاظ بجيش ضخم كالذي كانت تحتفظ به إبان الحقبة السوفيتية .
وحتى عندما احتجت روسيا على حرب العراق ، لم تمر عدة أسابيع حتى التقى بوتين مع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول ، حيث أعلنا أن بلديهما قد تجاوزا الخلافات بينهما ، وإن بقيت بينهما بعض الخلافات والتي أغلبها يتعلق بمستقبل العراق .
وفيما يبدو أنه محاولة من بوتين للتعويض من موقف روسيا الرافض للحرب وافق البرلمان الروسي على المعاهدة التي تعهدت فيها الدولتان بخفض ترسانتهما النووية الاستراتيجية بنسبة الثلثين لتصبح أقل من «2200» لكل منهما خلال العقد القادم ، وكان بوتين قد اجتمع مع قادة البرلمان قبيل زيارة باول لروسيا .
وحثهم على المصادقة على الاتفاقية التي تم توقيعها في العام الماضي وأشار بوتين وباول خلال اجتماعهما للمصادقة على المعاهدة بانها دليل على المدى الذي تستطيع من خلاله البلدان التعاون في القضايا الأمنية العالمية المهمة ، وفي لفتة مزاح دبلوماسية رد باول بالقول «هذه الهدية افضل من الحصول على ربطة عنق جديدة» ، وكان مجلس الشيوخ الأمريكي قد صادق على المعاهدة في مارس ولكن البرلمان الروسي وفي خضم الغضب ضد الحرب على العراق أجل المصادقة عليها لمدة شهرين .
وفى المقابل بدأ الجانب الأمريكي يغض الطرف كثيرا عن الممارسات الروسية فى الشيشان ، فبعد أن دأبت الحكومة الأمريكية أواخر حكم الرئيس الروسي السابق يلتسن على تنبيه روسيا إلى خطورة ما تقوم به في القوقاز، في وقت كانت فيه القوات الأمريكية وقوات الناتو تنجز مهمتها في البلقان. وقد اعتبر البعض أن هذه رسالة موجهة إلى بلقنة القوقاز الروسي. إلا أنه خلال فترة حكم الرئيس بوتين – وتزامن ذلك مع الحرب الأمريكية على 'الإرهاب الدولي'- بدا وكأن هناك اتفاقا غير معلن على عدم إثارة قضايا الدول المسلمة في الجنوب الروسي .
اللقاء الأخير :
أما اللقاء الأخير الذي عقد بين الرئيسين بوتين وبوش فى كامب ديفيد فقد جاء محاولة لردم الهوة التي خلفتها أزمة العراق وتقريب وجهات النظر الأمريكية-الروسية ، حيث تضمنت أجندة اللقاء التعاون الروسي-الإيراني في المجال النووي، فضلاً عن الشيشان .
إيران :
ولقد جاء اللقاء متقاربا بشكل كبير ، فبرغم أن الكثير من المراقبين اعتبروا أن الموقف الروسي من إيران سيمثل حجر عثرة فى اللقاء إلا أن ذلك لم يمنع بوش من أن يعبر عن رضاه عن الموقف الروسي من إيران ، كما أرسل الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جورج بوش رسالة تحذير إلى إيران من مغبة تطوير أسلحة نووية، في الوقت الذي تعاطى الرئيس الروسي بحذر إزاء احتمال تقديم مساعدة روسية لإعادة الاستقرار إلى العراق.
وقال بوتين في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الأمريكي في كامب ديفيد 'نحن مقتنعون بانه لا بد في الوقت الحاضر من ارسال اشارة واضحة، تكون في الوقت نفسه لائقة، الى ايران حول ضرورة مواصلة وتوسيع تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية'.
من جهته قال بوش 'ان الشيء الاهم الذي خرج من هذا الاجتماع هو اعادة التاكيد على ارادتنا المشتركة، باقناع ايران بالتخلي عن طموحاتها، وبالعمل مع دول اخرى لكي يكون هناك صوت واحد حول هذه المسالة'.
ووصف بوش محادثاته مع بوتين حول ملف التسلح النووي الايراني بانها كانت 'مرضية جدا'.
العراق :
وحول الملف العراقي أكد بوتين أن الخلافات التي ظهرت بين واشنطن وموسكو حول مبررات الحرب على العراق لا تعيد النظر في 'المصالح الاساسية' للبلدين.
ابدى الرئيس الروسي بعض الحذر رافضا الالتزام بتقديم مساعدة قد تطلبها واشنطن لاعادة الاستقرار في العراق واعادة اعماره ، وأوضح ان روسيا تريد تطبيع الوضع في العراق 'في اسرع وقت ممكن'.
وتابع بوتين 'في الوقت نفسه نحن واعون ان هذه العملية معقدة جدا ولا بد ان تقوم على اسس شرعية وادارية متينة على ان تتقدم على مراحل إن درجة المشاركة الروسية ومداها سيتحددان بعد ان نكون قد اطلعنا على القرار الجديد حول العراق'.
من جهته اقر بوش ان 'بعض الدول تواجه صعوبات في تحديد مشاركتها بسبب عدم وجود قرار'.
الشيشان :
أما بالنسبة للموقف من الشيشان فقد مثل الموقف الأمريكي تأييد كامل للموقف الروسي ، حيث حرص بوش على تكرار الموقف الرسمي الأمريكي .
وقال الرئيس الأمريكي 'يجب التصدي للإرهابيين مهما كانت الأماكن التي يزرعون فيها الفوضى والدمار بما في ذلك الشيشان' .
واعتبر ان 'حلا دائما لهذا النزاع يقتضي انهاء الاعمال الارهابية واحترام حقوق الانسان وقيام تسوية سياسية تؤدي الى انتخابات حرة ونزيهة ' .
بوتين يمتن على بوش :
وفيما يعتبر محاولة من بوتين لتحسين صورة بلاده وصورته ، زعم الرئيس الروسي أن جهات – لم يسميها بالطبع - بادرت للطلب من موسكو في نهاية عام 2001 المساعدة على محاربة القوات الأمريكية في أفغانستان لكن روسيا رفضت هذه الدعوات.
وقال بوتين خلال المؤتمر الصحفي : 'لم اقل ذلك علنا ابدا، لكنني ساقوم بذلك اليوم' ، وأضاف 'حين بدأت عمليات مكافحة الإرهاب في أفغانستان، تم جس موقفنا عبر مختلف القنوات، من اشخاص كانوا يريدون محاربة الأمريكيين في أفغانستان'.
وأضاف 'لو لم أكن في ذلك الحين والرئيس بوش نقيم علاقة صحيحة، لما كان أحد يعلم أي منحى كانت ستاخذه الامور في أفغانستان' .
ويبدو من حديث بوتين أنه يمن على بوش عدم تدخله فى أفغانستان ، وكأنه كان يستطيع ذلك .
وفى ختام الأمر قد يرى المحللون أن لقاء بوش وبوتين قد تكون نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الروسية ، إلا أنه بالرغم من ذلك ستظل العلاقات الروسية الأمريكية دون تغيير جوهري، بحيث يمكن القول إن اللقاءات الأخيرة بين زعماء البلدين أقرب لأن تكون فتح نافذة للحوار أكثر منها نقلة نوعية في توجه تحويل روسيا إلى حليف إستراتيجي .

"جميع حقوق الطبع محفوظة لشركة مفكرة الإسلام 1434هـ-1434هـ"