أين أنت الآن: الرئيسية

>>

شارك برأيك

الهلال السنّي ينهار، والعالم على موعد مع الفوضى والثأر

نشرت: - 07:37 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 3230

media//version4_ahl-sounna.jpg

كتبه شريف عبدالعزيز

باختصار ، مع ما حدث اليوم في كركوك هو عينة مصغرة لمستقبل المنطقة الإقليمية والعالم بأسره بعد تكسّر حواضر الهلال الخصيب أو السنّي في العراق والشام .

فقد قتل 16 شخصاً على الأقل الجمعة 21 أكتوبر 2016، بينهم 4 إيرانيين ، في هجوم شنه مقاتلو تنظيم الدولة  على محطة للكهرباء يجري تشييدها من قبل شركة إيرانية في دبس شمالي العراق ، كما هاجموا عدداً من المباني الحكومية في مدينة كركوك في شمال العراق. واستهدف الهجوم مقر قيادة الشرطة وحواجز أمنية ووحدات للدوريات في المدينة التي تبعد نحو 240 كيلومتراً شمال بغداد وتسيطر عليها القوات الكردية ، فيما أعلنت السلطات، فرض حظر تجول في كركوك، وقالت مصادر أمنية في المدينة، إن التنظيم بدأ هجوماً بعد منتصف الليل، وفجر عناصره 3 سيارات مفخخة في أحياء مختلفة من المدينة .

حواضر أهل السنّة تحت الحصار:

ظاهرة لا تخطئها العين ، مثلت سردية القرن الحادي والعشرين ، استهداف أهل السنّة وحصارها واحتلال حواضرهم الكبرى وتحويل أغلبيته الساحقة في المنطقة العربية إلى أغلبية بطعم الأقلية المحاصرة المغلوبة على أمرها . أهل السنّة صاروا هدفاً واضحاً لشتى خصوم الأمة الإسلامية والعربية من غرب وشرق .

وبنظرة سريعة على أنقاض الهلال السنّي الخصيب، وسوف يظهر للعيان نمط مثير للقلق: من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج، أولئك الذين يتحملون وطأة الحرب هم في الأغلب من العرب السنة – حسب تقرير الأنكونوميست - الذين ظلوا يحكمون المنطقة منذ لأكثر من ألف عام ، وقامت لهم الكثير من الممالك والدول وقادوا دولة الخلافة الإسلامية لقرون متواصلة – راشدة ، أموية ، عباسية ، أندلسية ، عثمانية – فالكثير من مدن أهل السنّة الكبرى وحواضرهم العظيمة تخضع اليوم لاحتلال خصومهم ، في الحين أن الباقي يرزح تحت نظم حكم سلطوية تصادر معظم الحقوق . فالقدس أسيرة يهود ، وبيروت تحت قبضة الموارنة والشيعة ، ودمشق يحكمها النصيريون العلويون ، وبغداد تحتلها عصابات إيرانية رافضة ، وصنعاء تحكمها عصابة حوثية بالوكالة عن إيران ، ولم يبق بيد أهل السنّة من حواضرهم الكبرى في المنطقة سوى حلب السورية ، والموصل العراقية ، وكلاهما مع بغداد ، يمثلون الهلال الإستراتيجي الحامي للمنطقة العربية من الاختراق الفارسي الإيراني الصفوي ، وكلا من حلب والموصل اليوم على وشك السقوط بيد الروافض مما يؤكد على أن الهلال السنّي بات مهدداً في وجوده، بعد أن كان محاصراً في حدوده .

وعلى هامش هذه الحواضر السنية الكبرى هناك العشرات من المدن السنية الأصغر حجماً جري تغير ديمغرافيتها لصالح الشيعة الإيرانية والنصيرية ، حيث يجري طرد العرب السنة من مدنهم على قدم وساق ، وتحول السواد الأعظم من الناس الذين عمروا هذه الأراضي منذ قرون إلى لاجئين، إما خارج البلاد أو نازحين في داخلها. إما على أيدي بشار الأسد والروس والمليشيات المدعومة إيرانياً في حالة حلب، أو على أيدي قوات الحكومة العراقية في تكريت والرمادي. ومنذ سيطرة الدولة على أجزاء كبيرة من المثلث السنّي في العراق ، وصل عدد العراقيين الذين ألجئوا إلى الفرار من ديارهم إلى أكثر من 3 ملايين نسمة، وحتى الآن لم يعد من هؤلاء إلا النزر اليسير، بل بقي السواد الأعظم من سكان هذه المدن خارج ديارهم. وفي سوريا نفس السيناريو يتكرر ولكن بصورة أبشع ، فخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، جرى تفريغ ثلاث بلدات في ضواحي دمشق: قدسيا، الحمه والآن معضمية الشام بعد أن حوصرت وقصفت من قبل النظام على الرغم من وجودها على مسافة بضعة كيلومترات فقط من مخازن مواد الإغاثة المخصصة لها ، وتم إخراج أهلها من العرب السنّة وجرى شحنهم إلى أدلب بتذكرة واحدة لا عودة فيها . وبموجب هدنة جرى التوصل إليها في شهر أغسطس في داريا، وهي ضاحية أخرى من ضواحي دمشق طالما تعرضت للحصار، تقرر نقل كافة سكان المنطقة من السنّة إلى ملاجئ تابعة للحكومة.

حلب والموصل وما بعدها:

حلب تمثل اليوم رمزًا لأسوأ أشكال التدخل الخارجي، حيث تساعد روسيا البوتينية قوات الأسد، وحلفاءهم الإيرانيين والشيعة على استهداف قوات المعارضة من السنّة المحاصرين، فيما يبدو أنه تقاسم غير معلن بين الروس والأمريكان على أن تكون حلب للروس والإيرانيين ، وذلك قبل أن يغادر الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» منصبه العام المقبل، والوحشية المتعمدة التي يتم من خلالها استهداف المستشفيات مرارًا وتكرارًا، وشتى أنواع الأسلحة بقصف غير مسبوق ، وغياب السلاح المضاد بيد الثوار المحاصرين هناك ، سوف تنتهي بسقوط المدينة ، وخروج مئات الآلاف من أهل السنّة من ديارهم.

أما الموصل فالخطب أشد فليس الأمر مجرد حاضرة سنية كبرى تفرّغ من أهلها ، ولكن موجة انتقام مروعة متوقعة ، في ظل تركيبة المهاجمين ، فالحشد الشيعي الخبيث يتشكل من أعتى أعداء أهل السنّة، من أكثر من 50 مليشيا إيرانية طافحة بالعداء والحقد الطائفي على أهل السنّة ، مع رغبة عارمة من الانتقام من أهل السنّة بأحقاد وعداوات الماضي البعيد . فهذا قيس الخزعلي، زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق، يصف تحرير الموصل بعملية الانتقام لمقتل الإمام الحسين وكذلك «التحضير لحالة من العدالة الإلهية»، حيث قال: «سيكون تحرير الموصل انتقاماً من قتلة الحسين، لأن هؤلاء هم أحفادهم. وبإذن الله سيكون تحرير الموصل انتقاماً من قتلة الحسين وعقاباً لهم».

ويتوقع أن الغزاة الأمريكان والروس هنا وهناك سينجحون في تحطيم عدد لا يحصى من المباني ويقتل الكثير من المدنيين، ولكنه في نهاية المطاف ستسقط حلب والموصل – إلا أن يشاء الله عز وجل غير ذلك - ، حتى لو استغرق هذا شهوراً. فموازين القوى مختلة بشدة عدداً وعتاداً ، ولكن السؤال الأهم وربما الأصعب : ماذا سيحصل بعد الاحتلال؟ لا بد أنه سيكون هناك سلب ونهب واغتصاب وقتل، ولكن من سيحكم المدينة؟ الحكومة العراقية الشيعية التي في بغداد؟ أهي ستحكم السكان السُنة؟ وماذا سيقول الأكراد؟ هل سيساعدون الحكم المكلف من بغداد؟ وهل ستستلم روسيا حلب أم تسلمها لإيران ، أم يحكمها الأسد ؟!

الانفجار قادم لا محالة:

اليوم، تشهد حواضر أهل السنّة انفجاراً متعدد المستويات والأبعاد، انفجاراً يعكس فشل نظام الدولة القومية وتقسيمات سايكس – بيكو . ويكفي النظر إلى البقعة المثلثة الصغيرة المحصورة بين جنوب تركيا وشمالي العراق وسوريا لاكتشاف التداخل الدموي وبالغ التعقيد للنزاعات الإقليمية وتحت الإقليمية، ليس فقط بين دول المشرق، ولكن أيضا بين الكيانات دون مستوى الدولة، والقوى الدولية التي لم تزل تسعى للحفاظ على نفوذها في المنطقة. دول كبرى مثل العراق وسوريا ومصر والسودان وليبيا واليمن قد أصبحت دول فاشلة ويسودها التوتر والاقتتال ولكن بنسب متفاوتة ، حتى الدول القوية نسبياً مثل تركيا، عادت المسألة الكردية إلى الانفجار منذ صيف 2015، بعد سنوات من مساعي السلم المتعثرة. ومدفوعة بطموحات أيديولوجية وطائفية، ومخاوف جيوستراتيجية، تبنت إيران سياسات توسعية في جوارها العربي الهش، بحيث أصبحت متغلغلة في العراق ولبنان وسوريا واليمن .

ولكن من المتوقع أن تكون قضية الموصل نقطة تقاطع مصالح بين الإيرانيين والأتراك . حيث تعمل إيران، وحلفاؤها في العراق، على أن توفر الموصل فرصة لرسم خارطة ديمغرافية وجيوسياسية جديدة في شمال العراق، تعزز من الكتلة الشيعية البشرية في شمال العراق السني، وتفتح ممرا دائما وآمنا، يصل من الحدود الإيرانية إلى ساحل المتوسط السوري . وبذلك يكون الهلال الشيعي قد اكتمل وحل محل الهلال السني الخصيب .

في حين أن تركيا أن تنظر بقلق شديد إلى الخطر الذي يتهدد سنّة العراق، وأثر ذلك على ديمغرافية المنطقة بأسرها ، وإلى المطامح التي تحاول طهران تحقيقها في الشمال العراقي. كما أن تتخوف من الأطماع الكردية المتزايدة والآمال التي تزداد بحروب الروس والأمريكان على الهلال السنّي من أجل ربط شرق كردستان بغربها ، وهو ما تعتبره تركيا خطاً أحمر غير قابل للتفاوض عليه أو الاقتراب منه .

هذه التباينات في أهداف المهاجمين على الموصل ومن قبلها حلب ستدفع حال سقوط كلا الحاضرتين السنيتين الكبيرتين إلى حالة من الفوضى ، وستطلق أكبر موجة انفجارية من الانتقام والرغبة في الثأر من مصاب أهل السنّة ، وستكسب التنظيمات الجهادية وعلى رأسها تنظيم الدولة وفتح الشام – جبهة النصرة سابقاً – وما يتبعهما من تنظيمات وتشكيلات أصغر ، زخماً كبيراً وسينضم إليهما عشرات الآلاف من الشباب السنّي الذي يكاد ينفجر غضباً من تعرضه للاستهداف والاحتلال ، ويعاني من غياب المرجعية الدينية والسياسية المدافعة عنه والمعبرة عن آماله ، ويعاني من غياب المشروع السياسي المستقبلي ، وما حدث في كركوك اليوم ، وفي فرنسا وبلجيكا وأمريكا من قبل ، خير دليل على عواقب استهداف حواضر أهل السنّة ، وشعورهم بالإذلال والمهانة ، وما يعتقده تحالف شركاء العدوان على أهل السنّة بأن المشكلة قد شارفت على الانتهاء ، وأن المنطقة سيسودها السلام والأمان، بعد احتلال الموصل هو محض خيال ، فالقادم أسوأ بكثير ، وأجيال أهل السنّة القادمة ، ستكون أكثر شراسة وضراوة ، ولن تؤثر فيها مفاوضات الغرف المغلقة ، ولن تبالي بتحالفات عسكرية دولية ، فالغضب يملأ الصدور ، والرغبة في الثأر هي أقوى الغرائز الإنسانية في استمرار أي صراع مهما كانت أيديولوجيته وأهدافه . ولن يعرف العالم الاستقرار حتى يعود لأهل السنّة مكانتهم المسلوبة.

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق