معركة اليرموك

نشرت: - 12:45 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 42588

media//SAIFNESR.jpg

5 رجب 13هـ ـ 2 سبتمبر 634م

 

مفكرة الإسلام : إنها واحدة من أعظم معارك الإسلام وأقوى صدام بين الدولة الإسلامية والدولة الرومية أو البيزنطية النصرانية، والمعركة التي أنهت الوجود الروماني في أرض الشام الطاهرة، وغيرت موازين القوى في العالم القديم، وقد تجلت في هذه المعركة الكثير من الدروس والعبر والحقائق التي يجب على أهل الإسلام فهمها وتدبرها.

تبدأ أحداث المعركة عندما قرر الخليفة الراشد أبو بكر الصديق فتح بلاد الشام وأرسل إليها أربعة جيوش دفعة واحدة لفتح عدة جبهات بالشام وحتى ينشغل الروم بكل جيش على حدة ولا يتجمعون للقاء المسلمين بقوتهم الضاربة، ولكن أدرك هرقل زعيم الروم خطة المسلمين وكان حكيمًا عاقلاً كاد أن يسلم عندما وصلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه آثر سلطانه ومنصبه([1])، فأعد مجموعة جيوش ضخمة، بحيث يكون كل جيش منها منفردًا أضعاف الجيش المسلم الذي سيقابله، فعظم الخطب على المسلمين، إذ إن إجمالي الجيوش المسلمة الأربعة سبعة وعشرون ألفًا، في حين أن جيوش الرومان بلغت أربعين ومائتي ألف، فأشار عمرو بن العاص على قادة الجيوش الاجتماع تحت راية واحدة ثم طلب الإمدادات من الخليفة أبي بكر الصديق.

عندما وصلت الأخبار للخليفة الراشد قال كلمته الشهيرة: «والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد» وأرسل إليه وكان بالعراق وقتها يهد عرش الأكاسرة بحسامه البتار، وأمره بالانتقال بأقصى سرعة لنجدة المسلمين بالشام، فلبى القائد الفذ أوامر خليفته وأخذ معه نصف الجيش وتعداده تسعة آلاف، وقام بخطوة في غاية الجراءة والشجاعة حيث اخترق صحراء قاحلة محرقة لا يجسر أحد على اختراقها ليختصر المسافة الطويلة لأقل من نصف الوقت وهو يهتف قائلاً: «لابد أن أخرج من وراء جموع الروم فلا تحبسوني عن نصرة وغياث المسلمين» ووصل البطل بجيشه الخفيف في خمسة أيام، وفي الطريق فتح عدة مدن كانت خاضعة للروم مثل «تدمر» و«بهراء» و«قراقر» و«بصرى» فاستبشر المسلمون بذلك.

تكامل جمع المسلمين بوادي نهر اليرموك ستة وثلاثين ألفًا، واجتمع خالد مع باقي قادة الجيش ولاحظ أمرًا في غاية الخطورة يؤدي حتمًا للهزيمة، ألا وهو أن المسلمين منقسمون على أنفسهم وسوف يقاتلون الروم متساندين، ومعنى كلمة متساندين أي أن كل جيش سيكون تحت طاعة وإمرة قائده فقط، أي أن المسلمين سيكون لهم خمسة قواد في القيادة العامة وهذا عين الخذلان والفرقة، فوعظهم خالد بن الوليد وحذرهم من خطورة ذلك، وأن الخليفة لا يرضاه أبدًا، فاقتنع باقي القادة بفكرة خالد وهي أن يكون لكل يوم من أيام المعركة قائد واحد أي يتبادلون الإمارة فيما بينهم.

أصبح خالد بن الوليد القائد العام للجيوش الإسلامية، فعمل على تنظيمها على شكل كراديس [كتائب] لتبدو للناظر كثيفة، وجعل على رأس كل كردوس بطلاً من الأبطال المشهورين، وأعطى النساء في مؤخرة الجيش سيوفًا يضربن بها الفارين من أرض القتال، وجعل أبا سفيان واعظ الجيش والمقداد بن الأسود قارئ سور الجهاد والشهادة، وحميت النفوس واشتدت العزائم، وحاول القائد العام للرومان «ماهان» عرض أموال طائلة على المسلمين ليرجعوا عن القتال، ولكن خالد رفض هذا العرض الدنيوي الرخيص لأن المسلمين ما خرجوا للدنيا، بل لله وللإسلام ونشر الدعوة.

وفي يوم 5 رجب سنة 13هـ اندلعت أعظم معارك الإسلام على أرض الشام بين الحق والباطل ودارت رحى حرب لم يذق أو يخض الرومان مثلها، فقد كان القتال يوم اليرموك على أشده وثبت كل من المسلمين والرومان يومها ثباتًا عظيمًا، حتى صار القتال مثل الرحا، فلم يُرَ يومها إلا مخ ساقط، وكف نادر، ورأس طائر، وتصافح المسلمون والرومان بسيوفهم، وظل خالد يضرب بسيفه من طلوع الشمس لغروبها وصلى الناس إيماءً، ووقعت عدة مشاهد رائعة هائلة في أرض المعركة منها:

   مشهد أول من استشهد من المسلمين، والرسالة التي حمّله إياها أبو عبيدة بن الجراح إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

         مشهد مبايعة عكرمة بن أبي جهل وأربعمائة من سادة المسلمين الله عز وجل على القتال حتى الشهادة.

         مشهد كتيبة خالد التي تجاوز عددها مائة مقاتل، والتي ردت هجوم خمسين ألفًا من الرومان.

         قتال نساء المسلمين وبطلتهم الجسورة «أسماء بنت يزيد الأنصارية» التي قتلت تسعًا من الروم بعمود خيمتها.

   فطنة خالد في التعامل من الرسالة التي جاءت من المدينة بوفاة الصديق واستخلاف الفاروق وعزل خالد من القيادة العامة، حيث كتمها حتى لا يفت ذلك في عضد المجاهدين.

   الحوار العجيب الذي دار بين خالد بن الوليد و«جورج بن تيودور» الذي تسميه المراجع العربية «جرجة» والذي انتهى بإسلام جورج وانضمامه لجيش المسلمين ضد إخوانه الرومان ثم استشهاده في القتال، وهذا من أعجب المشاهد.

وعلى الرغم من ضخامة الجيوش الرومانية واستعدادها للقتال لفترة طويلة، إلا إن الصحابة أطفئوا نارهم وقضوا على قوتهم وطحنوهم في يوم واحد فقط، ولم تكد شمس اليوم تغرب حتى كان نصر الله قد نزل على المسلمين وهزم الروم هزيمة مدوية كسرت عمودهم الفقري ببلاد الشام، وتساقطت بعدها المدن والحصون الشامية.

الجدير بالذكر أن هناك خلط في تاريخ هذه المعركة، فالبعض يجعلها سنة 15 هـ بدلاً من 13هـ استنادًا على المراجع البيزنطية التي أرخت للمعركة، ووضع على أساس ذلك سير مخالف للفتوحات الشامية جعل فيها معركة اليرموك خاتمة المعارك بالشام، ولكننا أثبتنا ما ذكره المؤرخون المسلمون الأوائل مثل خليفة بن خياط والطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم. فلينتبه لذلك.



([1]) انظر قصة ذلك في البخاري رقم (7)، ومسلم رقم (1773).

التعليقات

29 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    مغردون أتراك لـ"أوغلو": أعطيتنا درسا في الوفاء

    أطلق المغردون الأتراك، مئات الآف من التدوينات عقب خطاب “الوداع”، التي أعلن من خلالها رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، اعتزاله رئاسة حزب العدالة والتنمية، عقب الاجتماع الاستثنائي للحزب

    06 مايو 2016 02:30:00

    غواصة نووية أمريكية تتسبب بمواجهة بين إسبانيا وبريطانيا

    تسببت غواصة نووية أمريكية بمواجهة بين قاربين تابعين لقوات حفر السواحل البريطانية وخدمة الرقابة الحدودية الإسبانية بالقرب من ميناء جبل طارق.

    06 مايو 2016 02:15:00

    دراسة:ثلث ضحايا الحروب في العالم عام 2015 من سوريا

    كشفت دراسة لمعهد لندن الدولي للدراسات الاستراتيجية عن إن 167 ألف شخص لقوا مصرعهم في 2015 بسبب صراعات مسلحة .

    06 مايو 2016 02:00:00

    القسام تكشف كذب الاحتلال بشأن النفق

    أكدت كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة حماس، أن النفق الذي يتحدث عنه جيش الاحتلال الصهيوني هو ذات النفق الذي نفذ منه القسام أولى عمليات الإنزال خلف الخطوط

    06 مايو 2016 01:45:00

    حماس: وساطات مصرية وقطرية لتهدئة الوضع العسكري في غزة

    كشفت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عن اتصالات من وساطات عربية وأممية، لتهدئة الأوضاع الميدانية في قطاع غزة، ووقف التصعيد الصهيوني.

    06 مايو 2016 01:30:00

    أمريكا تحذر مواطنيها فى أفغانستان من تعرضهم للخطف

    أصدرت سفارة الولايات المتحدة في العاصمة الأفغانية كابول تحذيرا أمنيا طارئا للمواطنين الأمريكيين اليوم الخميس بعد محاولة اختطاف لأمريكي وعدد من الأجانب الآخرين في كابول في وقت سابق

    06 مايو 2016 01:15:00

    متى تتوقف طهران عن تجنيد الأطفال؟!

    قامت الحكومة الإيرانية مؤخراً ببث مقطع فيديو يتضمن عملية تجنيد أحد الأطفال بقوات التعبئة الشعبية "الباسيج" بغرض إرساله لمشاركة الميليشيات الإيرانية التي تُقاتِل إلى جوار بشار الأسد.

    05 مايو 2016 08:22:00

    حروب اللغة .. حين يتم تفريس الإنسان قبل الأرض في سوريا

    من المألوف أن نسمع عن حروب النفط أو حروب المياه أو حروب الأرض والجغرافيا أما مصطلح حروب اللغة وهو إن كان ملحوظا ضمنيا كأداة من أدوات الصراع والهيمنة إلا أنه كمصطلح لم يلق العناية الكافية.

    03 مايو 2016 08:34:00

    هل تشهد تونس ثورة جديدة؟!

    وقد شمل تقرير "العفو الدولية" العديد من انتهاكات حقوق الإنسان في تونس عقب ثورة 2010 منها التعذيب البدني والاغتصاب والتهديد به.

    01 مايو 2016 09:34:00

    خيارات العراق المُرة؛ إما الصّدر وإما التقسيم

    العراق بلد لم يستطع شعبه أن يتجاوز ذكريات الماضي المريرة ، وهو ما زال يجترها مرة بعد مرة ، حتى أوشك هذا البلد الكبير على الانفجار والانقسام .

    30 أبريل 2016 12:16:00

    الأزمة السورية بين مطرقة موسكو وسندان واشنطن

    والغريب حقاً أن واشنطن تحاول إقناع حلفائها في منطقة الشرق الأوسط بحذو حذوها تجاه الأزمة السورية بل أنها تحاول تقريب وجهات النظر بين حلفائها وبين الروس فيما يخص تلك الأزمة.

    25 أبريل 2016 08:22:00

    كيف نفهم التقارب التركي الإيراني الأخير؟

    لم يعد هناك ثمة ثوابت أو خطوط حمراء في ساحة الأحداث ، أمام تسوماني التغييرات الإقليمية والدولية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع ثورات الربيع العربي.

    23 أبريل 2016 09:44:00

    إغلاق