معركة اليرموك

نشرت: - 12:45 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 42709

media//SAIFNESR.jpg

5 رجب 13هـ ـ 2 سبتمبر 634م

 

مفكرة الإسلام : إنها واحدة من أعظم معارك الإسلام وأقوى صدام بين الدولة الإسلامية والدولة الرومية أو البيزنطية النصرانية، والمعركة التي أنهت الوجود الروماني في أرض الشام الطاهرة، وغيرت موازين القوى في العالم القديم، وقد تجلت في هذه المعركة الكثير من الدروس والعبر والحقائق التي يجب على أهل الإسلام فهمها وتدبرها.

تبدأ أحداث المعركة عندما قرر الخليفة الراشد أبو بكر الصديق فتح بلاد الشام وأرسل إليها أربعة جيوش دفعة واحدة لفتح عدة جبهات بالشام وحتى ينشغل الروم بكل جيش على حدة ولا يتجمعون للقاء المسلمين بقوتهم الضاربة، ولكن أدرك هرقل زعيم الروم خطة المسلمين وكان حكيمًا عاقلاً كاد أن يسلم عندما وصلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه آثر سلطانه ومنصبه([1])، فأعد مجموعة جيوش ضخمة، بحيث يكون كل جيش منها منفردًا أضعاف الجيش المسلم الذي سيقابله، فعظم الخطب على المسلمين، إذ إن إجمالي الجيوش المسلمة الأربعة سبعة وعشرون ألفًا، في حين أن جيوش الرومان بلغت أربعين ومائتي ألف، فأشار عمرو بن العاص على قادة الجيوش الاجتماع تحت راية واحدة ثم طلب الإمدادات من الخليفة أبي بكر الصديق.

عندما وصلت الأخبار للخليفة الراشد قال كلمته الشهيرة: «والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد» وأرسل إليه وكان بالعراق وقتها يهد عرش الأكاسرة بحسامه البتار، وأمره بالانتقال بأقصى سرعة لنجدة المسلمين بالشام، فلبى القائد الفذ أوامر خليفته وأخذ معه نصف الجيش وتعداده تسعة آلاف، وقام بخطوة في غاية الجراءة والشجاعة حيث اخترق صحراء قاحلة محرقة لا يجسر أحد على اختراقها ليختصر المسافة الطويلة لأقل من نصف الوقت وهو يهتف قائلاً: «لابد أن أخرج من وراء جموع الروم فلا تحبسوني عن نصرة وغياث المسلمين» ووصل البطل بجيشه الخفيف في خمسة أيام، وفي الطريق فتح عدة مدن كانت خاضعة للروم مثل «تدمر» و«بهراء» و«قراقر» و«بصرى» فاستبشر المسلمون بذلك.

تكامل جمع المسلمين بوادي نهر اليرموك ستة وثلاثين ألفًا، واجتمع خالد مع باقي قادة الجيش ولاحظ أمرًا في غاية الخطورة يؤدي حتمًا للهزيمة، ألا وهو أن المسلمين منقسمون على أنفسهم وسوف يقاتلون الروم متساندين، ومعنى كلمة متساندين أي أن كل جيش سيكون تحت طاعة وإمرة قائده فقط، أي أن المسلمين سيكون لهم خمسة قواد في القيادة العامة وهذا عين الخذلان والفرقة، فوعظهم خالد بن الوليد وحذرهم من خطورة ذلك، وأن الخليفة لا يرضاه أبدًا، فاقتنع باقي القادة بفكرة خالد وهي أن يكون لكل يوم من أيام المعركة قائد واحد أي يتبادلون الإمارة فيما بينهم.

أصبح خالد بن الوليد القائد العام للجيوش الإسلامية، فعمل على تنظيمها على شكل كراديس [كتائب] لتبدو للناظر كثيفة، وجعل على رأس كل كردوس بطلاً من الأبطال المشهورين، وأعطى النساء في مؤخرة الجيش سيوفًا يضربن بها الفارين من أرض القتال، وجعل أبا سفيان واعظ الجيش والمقداد بن الأسود قارئ سور الجهاد والشهادة، وحميت النفوس واشتدت العزائم، وحاول القائد العام للرومان «ماهان» عرض أموال طائلة على المسلمين ليرجعوا عن القتال، ولكن خالد رفض هذا العرض الدنيوي الرخيص لأن المسلمين ما خرجوا للدنيا، بل لله وللإسلام ونشر الدعوة.

وفي يوم 5 رجب سنة 13هـ اندلعت أعظم معارك الإسلام على أرض الشام بين الحق والباطل ودارت رحى حرب لم يذق أو يخض الرومان مثلها، فقد كان القتال يوم اليرموك على أشده وثبت كل من المسلمين والرومان يومها ثباتًا عظيمًا، حتى صار القتال مثل الرحا، فلم يُرَ يومها إلا مخ ساقط، وكف نادر، ورأس طائر، وتصافح المسلمون والرومان بسيوفهم، وظل خالد يضرب بسيفه من طلوع الشمس لغروبها وصلى الناس إيماءً، ووقعت عدة مشاهد رائعة هائلة في أرض المعركة منها:

   مشهد أول من استشهد من المسلمين، والرسالة التي حمّله إياها أبو عبيدة بن الجراح إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

         مشهد مبايعة عكرمة بن أبي جهل وأربعمائة من سادة المسلمين الله عز وجل على القتال حتى الشهادة.

         مشهد كتيبة خالد التي تجاوز عددها مائة مقاتل، والتي ردت هجوم خمسين ألفًا من الرومان.

         قتال نساء المسلمين وبطلتهم الجسورة «أسماء بنت يزيد الأنصارية» التي قتلت تسعًا من الروم بعمود خيمتها.

   فطنة خالد في التعامل من الرسالة التي جاءت من المدينة بوفاة الصديق واستخلاف الفاروق وعزل خالد من القيادة العامة، حيث كتمها حتى لا يفت ذلك في عضد المجاهدين.

   الحوار العجيب الذي دار بين خالد بن الوليد و«جورج بن تيودور» الذي تسميه المراجع العربية «جرجة» والذي انتهى بإسلام جورج وانضمامه لجيش المسلمين ضد إخوانه الرومان ثم استشهاده في القتال، وهذا من أعجب المشاهد.

وعلى الرغم من ضخامة الجيوش الرومانية واستعدادها للقتال لفترة طويلة، إلا إن الصحابة أطفئوا نارهم وقضوا على قوتهم وطحنوهم في يوم واحد فقط، ولم تكد شمس اليوم تغرب حتى كان نصر الله قد نزل على المسلمين وهزم الروم هزيمة مدوية كسرت عمودهم الفقري ببلاد الشام، وتساقطت بعدها المدن والحصون الشامية.

الجدير بالذكر أن هناك خلط في تاريخ هذه المعركة، فالبعض يجعلها سنة 15 هـ بدلاً من 13هـ استنادًا على المراجع البيزنطية التي أرخت للمعركة، ووضع على أساس ذلك سير مخالف للفتوحات الشامية جعل فيها معركة اليرموك خاتمة المعارك بالشام، ولكننا أثبتنا ما ذكره المؤرخون المسلمون الأوائل مثل خليفة بن خياط والطبري وابن الأثير وابن كثير وغيرهم. فلينتبه لذلك.



([1]) انظر قصة ذلك في البخاري رقم (7)، ومسلم رقم (1773).

التعليقات

29 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    أحكام بإسقاط الجنسية والسجن على 5 إرهابيين شيعة في البحرين

    اصدر القضاء البحريني الاثنين احكاما بالسجن تراوح بين ثلاثة اعوام و15 عاما، واسقاط الجنسية عن خمسة شيعة متهمين بصلاتهم مع تنظيمات "ارهابية.

    27 يونيو 2016 07:10:00

    شكوك حول قصف روسيا مدينة حلب باليورانيوم المخصب

    مفكرة الإسلام : وجه رئيس الوفد المفاوض لكتائب الثوار السورية العميد أسعد عوض الزعبي اتهامات إلى القوات الروسية بقيامها

    27 يونيو 2016 06:55:00

    "عاصفة حزم" إلكترونية تخترق مواقع إخبارية للحوثيين والمخلوع

    تمكنت مجموعة SaudiEagles الإلكترونية السعودية في اختراق ١١ موقعاً إخبارياً موالياً للميليشيات الحوثية والمخلوع علي صالح التي عرف عنها نشر الشائعات.

    27 يونيو 2016 06:40:00

    6 فوائد مهمة للنظام الغذائي بالنسبة للمرضى في رمضان

    أفادت مختصة الفلسفة الغذائية الدكتورة رويدا إدريس، أن تناول الأغذية الغنية بالألياف وشرب الماء وعصير الفواكه بين الإفطار وموعد النوم يمكن الجسم من تنظيم السوائل وتعويض ما ينقصه خلال الصيام.

    27 يونيو 2016 06:25:00

    بهتافات "الوزير يرحل".. طلاب الثانوية يعتلون مبنى وزارة التعليم المصرية

    مفكرة الإسلام : تصاعدت حدة التوترات بين طلاب طلاب الثانوية العامة ووزارة التربية والتعليم المصرية وذلك عقب قيام الوزارة بإعادة امتحان الديناميكا

    27 يونيو 2016 06:10:00

    سر استضافة روتانا لـ"عدنان إبراهيم" وإظهاره بصورة المفكر والداعية

    مفكرة الإسلام : كشف مدون مصري ، حقيقة استضافة قناة روتانا خليجية لعدنان إبراهيم ، مشيراً أن تيار الليبرالية الخليجي يقف وراءه من أجل تصفية حساباته مع دعاة الخليج .

    27 يونيو 2016 05:55:00

    طهران ودول الخليج والحرب الباردة

    منطقة الشرق الأوسط تشهد حالياً مايشبه الحرب الباردة التي دارت رحاها خلال القرن الماضي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.

    27 يونيو 2016 05:22:00

    الخروج البريطاني وانتصار ديجول من قبره

    الخروج البريطاني رسخ لمصطلح ديجول الشهير في وصف بريطانيا " بحصان طراودة أمريكي " ، وأكد صحة وجهة نظره في الانجليز ، وأنهم سيتسببون في انهيار الوحدة الأوروبية على المدى الطويل.

    25 يونيو 2016 03:48:00

    هل يقوى الأتراك على وقف أخطر تغيير جيوسياسي يهدد حدائقهم الخلفية؟

    المشهد الإقليمي اليوم بات يحمل مؤشرات في غاية الخطورة بالنسبة للجانب التركي، والطحن الكردي يعمل على أشده في شمال سوريا ، مؤذنا بأكبر وأخطر تغيير جيوسياسي عرفته المنطقة .

    20 يونيو 2016 06:05:00

    جنود "أودين" وأتباع " محمد "

    المشكلة اليوم أن هذه الكراهية والعنصرية لم تعد تترجم حركيا في أحزاب سياسية ذات أيديولوجيات فاشية ، بل تحولت إلى كيانات وتنظيمات وتشكيلات مجتمعية مشحونة بكميات مهولة بالحقد.

    15 يونيو 2016 05:44:00

    خبير في الشئون الأمريكية لـ"مفكرة الإسلام": هذه هي الكارثة الكبرى في فكر ترامب

    أكد الدكتور أحمد غانم، المراقب السياسي والخبير في الشئون العربية الأمريكية السياسية أنه لا يستطيع أحد التنبؤ بمن سيخلف أوباما في البيت الأبيض, فكل استطلاعات الرأي هي أمور إرشادية.

    13 يونيو 2016 05:59:00

    هل أصبحت حماس على استعداد للجولة القادمة؟!

    وما زاد الأمور تعقيداً هو اندلاع ما يطلق عليها انتفاضة السكاكين في العام الماضي حيث انتشرت عمليات الهجوم على المدنيين الإسرائيليين طعناً بالسكاكين فضلاً عن محاولة دهس المدنيين الإسرائيليين.

    11 يونيو 2016 05:46:00

    إغلاق