وفاة السلطان الناصر صلاح الدين

نشرت: - 06:22 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 3880

media//version4_book.jpg

27 صفر 589هـ ـ 4 مارس 1193م

مفكرة الإسلام : أعظم سلاطين الإسلام، البطل العظيم، المجاهد الكبير، الذي حاز قصب السبق ونال ذروة سنام الشرف، سيف الدنيا والدين، محرر بيت المقدس وقاهر الصليبيين وموحد المسلمين، كهف الأمة، السلطان الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي، قائد جيوش التحرير، اسمه بالكامل يوسف بن أيوب بن شادي، أصل أسرته من الأكراد الزوادية، وهذا القبيل من أشرف الأكراد، وُلد صلاح الدين سنة 532هـ بقلعة تكريت شمال بغداد وكان أبوه نجم الدين أيوب واليًا على هذه القلعة وقد أجبر على الخروج منها ليلة مولد صلاح الدين فتشاءم منه وكرهه فقيل له: «فما يدريك أن يكون هذا الولد ملكًا عظيمًا له صيت؟» وقد كان.

انتقل أبوه نجم الدين أيوب وعمه أسد الدين شيركوه لخدمة الملك عماد الدين زنكي بالشام واشتركا معه في قتال الصليبيين وصارا من أكبر قواده، واستمرا في خدمتهما لولده من بعده الملك الشهيد نور الدين محمود، وفي هذا الجو الجهادي والبيئة الصالحة نشأ صلاح الدين وترعرع حيث تعلم الفروسية والقتال وفنونه وانتظم في صفوف المجاهدين وتعلم من ثلاثة رجال كان لهم أكبر الأثر في حياته، وهم أبوه نجم الدين وعمه أسد الدين وأستاذه الملك نور الدين محمود.

كان أول ظهور لصلاح الدين على ساحة الأحداث سنة 562هـ حيث صحبه عمه أسد الدين في جيش أرسله نور الدين محمود إلى مصر تمهيدًا لإسقاط الدولة العبيدية، ووقف تهديدات الصليبيين لمصر، وقد دخل صلاح الدين مصر ثلاث مرات 562هـ، 564هـ، 566هـ، وفي الثالثة أسقط الدولة العبيدية وعادت مصر للخلافة العباسية، فعد ذلك أول وأعظم أعماله الكبيرة في الأمة الإسلامية.

أصبح صلاح الدين الأيوبي حاكمًا على مصر منذ المحرم سنة 567هـ ولكن بوصفه نائبًا عن ملك الشام نور الدين محمود، وقد واجه في مصر صعوبات كثيرة ومتاعب جمة؛ إذ حاول الفاطميون إعادة دولتهم الهالكة وتعددت المؤامرات في الشمال والجنوب ولكن تصدى لها صلاح الدين بكل قوة وحزم، كما حاول الصليبيون الهجوم على ثغور مصر في دمياط والإسكندرية مرة بعد مرة.

بعد وفاة الملك العادل نور الدين محمود سنة 569هـ اضطربت الأوضاع بالشام وظهر أصحاب الأطماع والأهواء وتمزقت وحدة الشام على أيدي هؤلاء الطامعين المتغلبين، واستطال الصليبيون على المسلمين واستولوا على العديد من المدن والحصون، فاتجهت الأبصار إلى صلاح الدين الأيوبي فانعقدت عليه الآمال وانحطت عنده الرحال فقاد رحلة جهادية كبرى من سنة 570هـ حتى سنة 581هـ من أجل توحيد الصف المسلم في الشام ومصر.

وقد اضطر لخوض معارك شرسة وطاحنة ضد أصحاب المصالح والمنافع الذين لا يبالون إلا بدنياهم والذين أيضًا أقدموا على خطوات شنيعة من أجل ذلك فتنازلوا للصليبيين عن العديد من المدن وتحالفوا معهم ضد صلاح الدين، ولقد استأجر هؤلاء الطامعون بعض الباطنية الحشاشة من أجل اغتيال صلاح الدين وحاولوا بالفعل قتله مرة بعد مرة ولكن الله عز وجل نجاه.

بعد توحيد الصفوف وجه صلاح الدين كل مجهوداته وجيوشه نحو تحرير بيت المقدس وتطهير بلاد الشام من الوجود الصليبي، واتبع صلاح الدين سياسة حكيمة تقوم على فتح الحصون والقلاع الصليبية الواحد تلو الآخر، شيئًا فشيئًا ثم يضرب ضربة كبيرة، ظل هكذا حتى ضرب ضربته الكبرى يوم حطين في ربيع الآخر سنة 583هـ، ثم جاء الفتح الأعظم واليوم الأزهر في تاريخ أمتنا في 27 رجب سنة 583هـ، عندما حرر المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بعد قرابة التسعين سنة من الاحتلال الصليبي، وكان هذا الفتح المبارك سببًا لثورة صليبي أوروبا الذين أرسلوا الحملة الصليبية الثالثة بقيادة أقوى ملوك أوروبا إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وكانت من أضخم وأشد الحملات الصليبية على الإطلاق، وقد ظل صلاح الدين مرابطًا أمام هذه الجحافل الصليبية طيلة أربع سنوات حتى ردها بعد صلح الرملة، وبعد ذلك بقليل ترجل الفارس واستراح المسافر ومات البطل في 27 صفر سنة 589هـ على فراشه حتف أنفه رغم رحلته الجهادية التي بدأها قبل 25 سنة في قتال مستمر حتى أن رجليه قد تقوستا وأصابته البواسير الشديدة من مواصلة ركوب الخيل.

 أما عن خصال البطل:

ورغم انشغال صلاح الدين بالجهاد الذي كان محور حياته وقضية عمره إلا إنه كان عابدًا ورعًا لا تفوته صلاة الجماعة مع محافظة على السنن الرواتب خاصة قيام الليل، يحب سماع القرآن حتى أنه ليلة وفاته أحضر قارئًا مجيدًا وظل يسمع القرآن حتى وفاته، وكان محبًا للعلم الشرعي وله جزء من الحديث سمعه من الحافظ السلفي، وكان يحب العلماء والشيوخ ويقربهم ويجزل لهم العطايا، وكان عادلاً رءوفًا رحيمًا ينصر الضعيف على القوي، يجلس بنفسه للقضاء بين الخصوم كريمًا منفقًا بحيث لم تجب عليه زكاة مال قط، ولما مات لم يجدوا في خزانته سوى 47 درهمًا. وكان صابرًا محتسبًا يعتريه أمراض كثيرة من كثرة جهاده ومع ذلك لا ينقطع أو يستريح، وابتلي بفقد إخوانه وأحبابه الواحد تلو الآخر وهو صابر محتسب، ولقد ملك على قلبه وجوارحه حب الجهاد، فلم يبق له حديث ولا ذكر ولا سعي ولا نظر إلا فيه، هجر الدنيا ومتاعها من أجل تحرير المقدسات ورد الاعتبار لهذه الأمة، وأسمى أمانيه نقلها عنه قاضيه ابن شداد عندما قال: «في نفسي أنه متى ما يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر ـ يعني المتوسط ـ إلى جزائرهم ـ يعني الصليبيين ـ أتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت». فرحم الله هذا البطل العظيم والسلطان الكبير وأعاد الله عز وجل على الأمة بأمثاله وأفعاله.

التعليقات

4 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    "شيعة السفارة" لـ"حسن زميرة": ماذا تختلف عن "داعش"؟

    أدخل حسن نصر الله، الشهير بـ"حسن زميرة" زعيم مليشيا حزب الله، مصطلحًا جديدًا على الساحة السياسية اللبنانية حين وصف معارضيه بـ"شيعة السفارة الأمريكية"، فضلا عن "تكفيرهم وهدر دمهم"، كما يقول م

    28 مايو 2015 03:00:00

    في معقل النظام.. تزوير دفاتر التجنيد للهروب من جيش الأسد

    ظاهرة الهروب من الخدمة العسكرية في جيش النظام السوري أخذت منحى مختلفاً، هذه الأيام، فلم يعد التهرب من خدمة الجيش حكرا على المنشقّين المعارضين للنظام، بل أصبح ظاهرة متنقلة ما بين المحافظات ا

    28 مايو 2015 02:30:00

    أردوغان: إعلام المعارضة يهددني بالإعدام!

    رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على دعوة حزب تركي معارض لإغلاق مدارس الأئمة والخطباء قائلا: إن "جميع أبنائي الأربعة تخرجوا من مدارس الأئمة والخطباء، يسعون لإغلاق تلك المدارس، لكن المؤمن لا

    28 مايو 2015 02:15:00

    بالفيديو .. "طائر إرهابي" في سوريا !!

    بالفيديو .. "طائر إرهابي" في سوريا !!

    28 مايو 2015 02:00:00

    "فيسبوك" ينجح في إرجاع طفلة مختطفة إلى عائلتها (صورة)

    نشر مؤسس موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، الأمريكي الشاب مارك زوكربيرج صورة لطفلة أمريكية كان قد تم خطفها من إحدى المستشفيات، وأعلن أنها بالفعل رجعت إلى عائلتها سالمةً

    28 مايو 2015 12:15:00

    الجولاني: لا نقاتل إلا من يقاتلنا.. وسقوط النظام يكون في دمشق لا القرداحة

    التقى الإعلامي المصري أحمد منصور مع أبو محمد الجولاني، زعيم تنظيم جبهة النصرة، خلال لقاء بث عبر برنامج "بلا حدود" على قناة الجزيرة الفضائية مساء الأربعاء.

    27 مايو 2015 11:59:00

    ربيع الحجاب فى تركيا

    فى النهاية يبدو أن عام 2015 سيكون ربيعا سياسيا للمحجبات فى تركيا حيث ستدخل محجبات كثيرات البرلمان وسيكون لهن حق التشريع وإلغاء القوانين التي أصدرتها الحكومات العلمانية والتي منعتهن من العمل.

    27 مايو 2015 06:08:00

    الورقة المذهبية بين انتماءات الداخل وارتهانات الخارج

    عد الإيرانيون الورقة المذهبية امتيازا يخولهم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج.

    26 مايو 2015 12:22:00

    هل تصبح القلمون آخر معارك الأسد؟!

    وقد كان حسن نصر الله أمين عام حزب الله واضحاً حين قال أن معركة القلمون هى معركة حياة أو موت.

    25 مايو 2015 09:24:00

    لماذا نتهم إيران بتفجير القديح ؟

    ورغم مأساوية الحادث ودمويته وظلاله القاتمة على الشعب السعودي ، إلا إن ذلك لا يمنعنا من طرح أسئلة مشروعة.

    24 مايو 2015 06:02:00

    الروهينجا وعسكر بورمـا والنفاق العالمي

    عجيب أمر هذا العالم الذي يشبع من كل شيئ إلا من دم المسلمين ، ولايطيب له راحة بال ولايهدأ له واقع إلا إذا ارتوى من دم الانسان المسلم فنجده يتلذذ به.

    23 مايو 2015 10:04:00

    ماذا يريد العلمانيون المصريون من الحجاب؟

    القوم يكرهون، بشكل خاص، الحجاب، فهذا الزي يسبب لهم استفزازًا عظيمًا، وخاصة حينما انتشر في الجامعات والمدارس والمصالح الحكومية وفي الشارع بوجه عام، ذلك أن الحجاب يمكن اعتباره رمزًا للمشروع.

    21 مايو 2015 09:08:00

    إغلاق