وفاة السلطان الناصر صلاح الدين

نشرت: - 06:22 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 3896

media//version4_book.jpg

27 صفر 589هـ ـ 4 مارس 1193م

مفكرة الإسلام : أعظم سلاطين الإسلام، البطل العظيم، المجاهد الكبير، الذي حاز قصب السبق ونال ذروة سنام الشرف، سيف الدنيا والدين، محرر بيت المقدس وقاهر الصليبيين وموحد المسلمين، كهف الأمة، السلطان الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي، قائد جيوش التحرير، اسمه بالكامل يوسف بن أيوب بن شادي، أصل أسرته من الأكراد الزوادية، وهذا القبيل من أشرف الأكراد، وُلد صلاح الدين سنة 532هـ بقلعة تكريت شمال بغداد وكان أبوه نجم الدين أيوب واليًا على هذه القلعة وقد أجبر على الخروج منها ليلة مولد صلاح الدين فتشاءم منه وكرهه فقيل له: «فما يدريك أن يكون هذا الولد ملكًا عظيمًا له صيت؟» وقد كان.

انتقل أبوه نجم الدين أيوب وعمه أسد الدين شيركوه لخدمة الملك عماد الدين زنكي بالشام واشتركا معه في قتال الصليبيين وصارا من أكبر قواده، واستمرا في خدمتهما لولده من بعده الملك الشهيد نور الدين محمود، وفي هذا الجو الجهادي والبيئة الصالحة نشأ صلاح الدين وترعرع حيث تعلم الفروسية والقتال وفنونه وانتظم في صفوف المجاهدين وتعلم من ثلاثة رجال كان لهم أكبر الأثر في حياته، وهم أبوه نجم الدين وعمه أسد الدين وأستاذه الملك نور الدين محمود.

كان أول ظهور لصلاح الدين على ساحة الأحداث سنة 562هـ حيث صحبه عمه أسد الدين في جيش أرسله نور الدين محمود إلى مصر تمهيدًا لإسقاط الدولة العبيدية، ووقف تهديدات الصليبيين لمصر، وقد دخل صلاح الدين مصر ثلاث مرات 562هـ، 564هـ، 566هـ، وفي الثالثة أسقط الدولة العبيدية وعادت مصر للخلافة العباسية، فعد ذلك أول وأعظم أعماله الكبيرة في الأمة الإسلامية.

أصبح صلاح الدين الأيوبي حاكمًا على مصر منذ المحرم سنة 567هـ ولكن بوصفه نائبًا عن ملك الشام نور الدين محمود، وقد واجه في مصر صعوبات كثيرة ومتاعب جمة؛ إذ حاول الفاطميون إعادة دولتهم الهالكة وتعددت المؤامرات في الشمال والجنوب ولكن تصدى لها صلاح الدين بكل قوة وحزم، كما حاول الصليبيون الهجوم على ثغور مصر في دمياط والإسكندرية مرة بعد مرة.

بعد وفاة الملك العادل نور الدين محمود سنة 569هـ اضطربت الأوضاع بالشام وظهر أصحاب الأطماع والأهواء وتمزقت وحدة الشام على أيدي هؤلاء الطامعين المتغلبين، واستطال الصليبيون على المسلمين واستولوا على العديد من المدن والحصون، فاتجهت الأبصار إلى صلاح الدين الأيوبي فانعقدت عليه الآمال وانحطت عنده الرحال فقاد رحلة جهادية كبرى من سنة 570هـ حتى سنة 581هـ من أجل توحيد الصف المسلم في الشام ومصر.

وقد اضطر لخوض معارك شرسة وطاحنة ضد أصحاب المصالح والمنافع الذين لا يبالون إلا بدنياهم والذين أيضًا أقدموا على خطوات شنيعة من أجل ذلك فتنازلوا للصليبيين عن العديد من المدن وتحالفوا معهم ضد صلاح الدين، ولقد استأجر هؤلاء الطامعون بعض الباطنية الحشاشة من أجل اغتيال صلاح الدين وحاولوا بالفعل قتله مرة بعد مرة ولكن الله عز وجل نجاه.

بعد توحيد الصفوف وجه صلاح الدين كل مجهوداته وجيوشه نحو تحرير بيت المقدس وتطهير بلاد الشام من الوجود الصليبي، واتبع صلاح الدين سياسة حكيمة تقوم على فتح الحصون والقلاع الصليبية الواحد تلو الآخر، شيئًا فشيئًا ثم يضرب ضربة كبيرة، ظل هكذا حتى ضرب ضربته الكبرى يوم حطين في ربيع الآخر سنة 583هـ، ثم جاء الفتح الأعظم واليوم الأزهر في تاريخ أمتنا في 27 رجب سنة 583هـ، عندما حرر المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بعد قرابة التسعين سنة من الاحتلال الصليبي، وكان هذا الفتح المبارك سببًا لثورة صليبي أوروبا الذين أرسلوا الحملة الصليبية الثالثة بقيادة أقوى ملوك أوروبا إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وكانت من أضخم وأشد الحملات الصليبية على الإطلاق، وقد ظل صلاح الدين مرابطًا أمام هذه الجحافل الصليبية طيلة أربع سنوات حتى ردها بعد صلح الرملة، وبعد ذلك بقليل ترجل الفارس واستراح المسافر ومات البطل في 27 صفر سنة 589هـ على فراشه حتف أنفه رغم رحلته الجهادية التي بدأها قبل 25 سنة في قتال مستمر حتى أن رجليه قد تقوستا وأصابته البواسير الشديدة من مواصلة ركوب الخيل.

 أما عن خصال البطل:

ورغم انشغال صلاح الدين بالجهاد الذي كان محور حياته وقضية عمره إلا إنه كان عابدًا ورعًا لا تفوته صلاة الجماعة مع محافظة على السنن الرواتب خاصة قيام الليل، يحب سماع القرآن حتى أنه ليلة وفاته أحضر قارئًا مجيدًا وظل يسمع القرآن حتى وفاته، وكان محبًا للعلم الشرعي وله جزء من الحديث سمعه من الحافظ السلفي، وكان يحب العلماء والشيوخ ويقربهم ويجزل لهم العطايا، وكان عادلاً رءوفًا رحيمًا ينصر الضعيف على القوي، يجلس بنفسه للقضاء بين الخصوم كريمًا منفقًا بحيث لم تجب عليه زكاة مال قط، ولما مات لم يجدوا في خزانته سوى 47 درهمًا. وكان صابرًا محتسبًا يعتريه أمراض كثيرة من كثرة جهاده ومع ذلك لا ينقطع أو يستريح، وابتلي بفقد إخوانه وأحبابه الواحد تلو الآخر وهو صابر محتسب، ولقد ملك على قلبه وجوارحه حب الجهاد، فلم يبق له حديث ولا ذكر ولا سعي ولا نظر إلا فيه، هجر الدنيا ومتاعها من أجل تحرير المقدسات ورد الاعتبار لهذه الأمة، وأسمى أمانيه نقلها عنه قاضيه ابن شداد عندما قال: «في نفسي أنه متى ما يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر ـ يعني المتوسط ـ إلى جزائرهم ـ يعني الصليبيين ـ أتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت». فرحم الله هذا البطل العظيم والسلطان الكبير وأعاد الله عز وجل على الأمة بأمثاله وأفعاله.

التعليقات

4 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    الوكالة الدولية للطاقة الذرية: محادثات "النووي الإيراني" شهدت تقدمًا

    أعلن رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو السبت، أن التحقيق حول احتمال وجود بعد عسكري للبرنامج النووي الإيراني قد ينجز بنهاية العام 2015 بمساعدة طهران.

    04 يوليو 2015 10:01:00

    بالصور.. ميليشيا الحوثي تنهب منازل اليمنيين في الجوف

    أقدم مسلحون حوثيون على نهب منازل أبناء مدينة الحزم في محافظة الجوف اليمنية، والذين اضطروا لمغادرتها بعيداً عن ضربات طيران التحالف.

    04 يوليو 2015 09:40:00

    المكسيك تعثر على أكثر من 9 آلاف تأشيرة دخول مسروقة لأمريكا

    عثرت الشرطة المكسيكية على أكثر من تسعة آلاف تأشيرة دخول مسروقة الشهر الماضي، في ولاية تاماوليباس عند الحدود مع الولايات المتحدة، بحسب ما كشفت السلطات.

    04 يوليو 2015 09:20:00

    المسلمون يتصدرون قائمة أكثر المتبرعين بالأموال في بريطانيا

    تتفوق الجالية الاسلامية على جميع الأقليات الدينية الاخرى في بريطانيا حيث تقدم نحو 1800 جمعية اسلامية ومسجدا حوالي 100 مليون جنيه استرليني (157مليون دولار) فيما تقدر زكوات المسلمين

    04 يوليو 2015 09:01:00

    سوريا.. قائد ميداني يفند الشائعات حول معركة "عاصفة الجنوب"

    أكد العقيد خالد النابلسي، قائد غرفة عمليات الجبهة الجنوبية قائد لواء المعتز بالله أحد أبرز الألوية في المنطقة الجنوبية، أن معركة عاصفة الجنوب لم تتوقف ولم ينسحب أو يتراجع أي فصيل من

    04 يوليو 2015 08:45:00

    فيديو.. الاستغناء عن عامل نظافة بالمسجد النبوي يشعل مواقع التواصل

    تداول مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي بتعاطفٍ كبيرٍ صوراً عدة لأحد عمال النظافة بالمسجد النبوي الذي تم الاستغناء عنه نظراً لكبر سنه، دون أن يتعرفوا على اسمه، ما جعلهم يطلقون عليه اسم “مقتضى”.

    04 يوليو 2015 08:30:00

    هل حقا مصر تنزلق نحو حرب أهلية؟

    كل هذه الأحداث المتسارعة جعلت الجميع يتشاءم من مسار الأيام القادمة في مصر، ويضع سيناريوهات بالغة القاتمة عن مستقبل البلاد.

    04 يوليو 2015 11:45:00

    "إسرائيل"... وحرب المياه

    يتحدث الكاتب عن الفقر المستمر في المياه داخل الأراضي المحتلة في "إسرائيل" والمساعي المبذولة للبحث عن حلول منها السيطرة على مواقع للمياه في نهر الأردن والبحث عن مصادر أخرى للمياه.

    28 يونيو 2015 10:54:00

    هل تتحقق أسوأ كوابيس تركيا؟

    الولايات المتحدة تجاهلت الخطوط الحمراء التركية تجاه التعامل مع كيان مصنف كإرهابي حتى داخل الولايات المتحدة الأمركية.

    27 يونيو 2015 11:11:00

    هل يلقى الاتحاد الأوربى مصير الجامعة العربية؟!

    هل يخاطر الاتحاد الأوربى بالدخول فى مواجهة عسكرية مع روسيا من أجل ضم أوكرانيا للاتحاد الأوربى فى الوقت الذى يتنكر لليونان ويرفض مساعدتها فى محنتها وهى الدولة العضو فى الاتحاد؟.

    25 يونيو 2015 09:41:00

    هل تقود أحداث سجن "رومية" انتفاضة أهل السُنة بلبنان؟

    وشهدت العديد من المناطق اللبنانية بعد تسريب الفيديو، اعتصامات واسعة وتظاهرات للتنديد بـ"العنف الممارس بحق السجناء الإسلاميين"، واتهم مشاركون فيها عناصر من ميليشيات حزب الله بالمشاركة.

    24 يونيو 2015 10:41:00

    الغل الطائفي في العراق يفضح المشروع الشيعي

    ما يحدث يوميًا في العراق من ممارسات لما يسمي قوات "الحشد الشعبي" في حق أهل السنة هناك، وخاصة في الرمادي والفوجة وتكريت وديالى، جرائم لا يصدق العقل أنها تقع في الألفية الثالثة.

    23 يونيو 2015 02:27:00

    إغلاق