وفاة السلطان الناصر صلاح الدين

نشرت: - 06:22 م بتوقيت مكة   عدد القراء : 4057

media//version4_book.jpg

27 صفر 589هـ ـ 4 مارس 1193م

مفكرة الإسلام : أعظم سلاطين الإسلام، البطل العظيم، المجاهد الكبير، الذي حاز قصب السبق ونال ذروة سنام الشرف، سيف الدنيا والدين، محرر بيت المقدس وقاهر الصليبيين وموحد المسلمين، كهف الأمة، السلطان الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي، قائد جيوش التحرير، اسمه بالكامل يوسف بن أيوب بن شادي، أصل أسرته من الأكراد الزوادية، وهذا القبيل من أشرف الأكراد، وُلد صلاح الدين سنة 532هـ بقلعة تكريت شمال بغداد وكان أبوه نجم الدين أيوب واليًا على هذه القلعة وقد أجبر على الخروج منها ليلة مولد صلاح الدين فتشاءم منه وكرهه فقيل له: «فما يدريك أن يكون هذا الولد ملكًا عظيمًا له صيت؟» وقد كان.

انتقل أبوه نجم الدين أيوب وعمه أسد الدين شيركوه لخدمة الملك عماد الدين زنكي بالشام واشتركا معه في قتال الصليبيين وصارا من أكبر قواده، واستمرا في خدمتهما لولده من بعده الملك الشهيد نور الدين محمود، وفي هذا الجو الجهادي والبيئة الصالحة نشأ صلاح الدين وترعرع حيث تعلم الفروسية والقتال وفنونه وانتظم في صفوف المجاهدين وتعلم من ثلاثة رجال كان لهم أكبر الأثر في حياته، وهم أبوه نجم الدين وعمه أسد الدين وأستاذه الملك نور الدين محمود.

كان أول ظهور لصلاح الدين على ساحة الأحداث سنة 562هـ حيث صحبه عمه أسد الدين في جيش أرسله نور الدين محمود إلى مصر تمهيدًا لإسقاط الدولة العبيدية، ووقف تهديدات الصليبيين لمصر، وقد دخل صلاح الدين مصر ثلاث مرات 562هـ، 564هـ، 566هـ، وفي الثالثة أسقط الدولة العبيدية وعادت مصر للخلافة العباسية، فعد ذلك أول وأعظم أعماله الكبيرة في الأمة الإسلامية.

أصبح صلاح الدين الأيوبي حاكمًا على مصر منذ المحرم سنة 567هـ ولكن بوصفه نائبًا عن ملك الشام نور الدين محمود، وقد واجه في مصر صعوبات كثيرة ومتاعب جمة؛ إذ حاول الفاطميون إعادة دولتهم الهالكة وتعددت المؤامرات في الشمال والجنوب ولكن تصدى لها صلاح الدين بكل قوة وحزم، كما حاول الصليبيون الهجوم على ثغور مصر في دمياط والإسكندرية مرة بعد مرة.

بعد وفاة الملك العادل نور الدين محمود سنة 569هـ اضطربت الأوضاع بالشام وظهر أصحاب الأطماع والأهواء وتمزقت وحدة الشام على أيدي هؤلاء الطامعين المتغلبين، واستطال الصليبيون على المسلمين واستولوا على العديد من المدن والحصون، فاتجهت الأبصار إلى صلاح الدين الأيوبي فانعقدت عليه الآمال وانحطت عنده الرحال فقاد رحلة جهادية كبرى من سنة 570هـ حتى سنة 581هـ من أجل توحيد الصف المسلم في الشام ومصر.

وقد اضطر لخوض معارك شرسة وطاحنة ضد أصحاب المصالح والمنافع الذين لا يبالون إلا بدنياهم والذين أيضًا أقدموا على خطوات شنيعة من أجل ذلك فتنازلوا للصليبيين عن العديد من المدن وتحالفوا معهم ضد صلاح الدين، ولقد استأجر هؤلاء الطامعون بعض الباطنية الحشاشة من أجل اغتيال صلاح الدين وحاولوا بالفعل قتله مرة بعد مرة ولكن الله عز وجل نجاه.

بعد توحيد الصفوف وجه صلاح الدين كل مجهوداته وجيوشه نحو تحرير بيت المقدس وتطهير بلاد الشام من الوجود الصليبي، واتبع صلاح الدين سياسة حكيمة تقوم على فتح الحصون والقلاع الصليبية الواحد تلو الآخر، شيئًا فشيئًا ثم يضرب ضربة كبيرة، ظل هكذا حتى ضرب ضربته الكبرى يوم حطين في ربيع الآخر سنة 583هـ، ثم جاء الفتح الأعظم واليوم الأزهر في تاريخ أمتنا في 27 رجب سنة 583هـ، عندما حرر المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بعد قرابة التسعين سنة من الاحتلال الصليبي، وكان هذا الفتح المبارك سببًا لثورة صليبي أوروبا الذين أرسلوا الحملة الصليبية الثالثة بقيادة أقوى ملوك أوروبا إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وكانت من أضخم وأشد الحملات الصليبية على الإطلاق، وقد ظل صلاح الدين مرابطًا أمام هذه الجحافل الصليبية طيلة أربع سنوات حتى ردها بعد صلح الرملة، وبعد ذلك بقليل ترجل الفارس واستراح المسافر ومات البطل في 27 صفر سنة 589هـ على فراشه حتف أنفه رغم رحلته الجهادية التي بدأها قبل 25 سنة في قتال مستمر حتى أن رجليه قد تقوستا وأصابته البواسير الشديدة من مواصلة ركوب الخيل.

 أما عن خصال البطل:

ورغم انشغال صلاح الدين بالجهاد الذي كان محور حياته وقضية عمره إلا إنه كان عابدًا ورعًا لا تفوته صلاة الجماعة مع محافظة على السنن الرواتب خاصة قيام الليل، يحب سماع القرآن حتى أنه ليلة وفاته أحضر قارئًا مجيدًا وظل يسمع القرآن حتى وفاته، وكان محبًا للعلم الشرعي وله جزء من الحديث سمعه من الحافظ السلفي، وكان يحب العلماء والشيوخ ويقربهم ويجزل لهم العطايا، وكان عادلاً رءوفًا رحيمًا ينصر الضعيف على القوي، يجلس بنفسه للقضاء بين الخصوم كريمًا منفقًا بحيث لم تجب عليه زكاة مال قط، ولما مات لم يجدوا في خزانته سوى 47 درهمًا. وكان صابرًا محتسبًا يعتريه أمراض كثيرة من كثرة جهاده ومع ذلك لا ينقطع أو يستريح، وابتلي بفقد إخوانه وأحبابه الواحد تلو الآخر وهو صابر محتسب، ولقد ملك على قلبه وجوارحه حب الجهاد، فلم يبق له حديث ولا ذكر ولا سعي ولا نظر إلا فيه، هجر الدنيا ومتاعها من أجل تحرير المقدسات ورد الاعتبار لهذه الأمة، وأسمى أمانيه نقلها عنه قاضيه ابن شداد عندما قال: «في نفسي أنه متى ما يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر ـ يعني المتوسط ـ إلى جزائرهم ـ يعني الصليبيين ـ أتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت». فرحم الله هذا البطل العظيم والسلطان الكبير وأعاد الله عز وجل على الأمة بأمثاله وأفعاله.

التعليقات

4 تعليق commemnt

أضف تعليق


    facebook twitter rss

    الحرس الثوري: سوريا أهم قاعدة لنشر التشيع بالمنطقة والأسد شيعي

    قال قائد قوات الحماية التابعة للحرس الثوري العميد علي أصغر كرجي زادة إن "الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد كان شيعيا على مذهب التشيع الإثنى عشري".

    24 يوليو 2016 12:50:00

    اعتقال مساعد رئيسي لـ"غولن" دخل تركيا قبل الانقلاب الفاشل بيومين

    قال مسؤول بالرئاسة التركية، إن السلطات اعتقلت هاليس هانسى المساعد الرئيسي للداعية، فتح الله غولن المتهم بالتخطيط لمحاولة الانقلاب.

    24 يوليو 2016 12:30:00

    6 فوائد مذهلة للكمثرى تجعلك تتناولها يوميا

    أوضح خبراء التغذية أن الكمثرى تحتوي على مجموعة مذهلة تعود على الفرد نتيجة تناولها وفقا لما أثبتته الدراسات والأبحاث.

    24 يوليو 2016 12:10:00

    يلدريم: سنقوم بحل الحرس الرئاسي بعد محاولة الانقلاب

    قال بن على يلدريم، رئيس الوزراء التركى، اليوم السبت، إنه من الممكن حل الحرس الرئاسي، المكلف بحراسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

    23 يوليو 2016 11:55:00

    تركيا تحتج على نشر ألمانيا معلومات مغلوطة حول حالة الطوارئ

    احتجت الخارجية التركية، اليوم السبت، على معلومات مغلوطة نشرتها، الخارجية الألمانية، بشأن فرض حالة الطوارئ في تركيا، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.

    23 يوليو 2016 11:25:00

    أردوغان: رئيس المخابرات التركية باق في منصبه

    قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن مسؤول جهاز المخابرات التركية هاكان فيدان باق في منصبه في الوقت الحالي.

    23 يوليو 2016 11:10:00

    من أورلاندو إلى ميونيخ ، دلالات هجوم الذئاب المنفردة

    هذه الظاهرة التي باتت كابوسا لكافة الأجهزة الأمنية في العالم مرشحة للاتساع الجغرافي والتمدد الإقليمي والانتشار الجماهيري

    23 يوليو 2016 09:55:00

    الانقلاب التركي.. لماذا الآن؟! وماذا بعد؟!

    ويقول مراقبون أن تبعات محاولة الانقلاب الفاشلة سترمي بظلالها على الداخل التركي لتضيف مزيداً من الأعباء على "أردوغان" وحكومة العدالة والتنمية التي باتت تحارب معركتها في الداخل والخارج.

    21 يوليو 2016 10:44:00

    العلامة المبروك: ليبيا حلقة في الخطة الدولية لوئد الثورات العربية

    أكد الدكتور العلامة ونيس المبروك ، رئيس الهيئة العمومية لاتحاد ثوار ليبيا والعضو المؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، أن ليبيا تمثل حلقة في الخطة الدولية التي تسعى إلى وئد الثورات.

    20 يوليو 2016 09:47:00

    تقرير تشيلكوت وتأكيد المؤكد

    ويثبت التقرير في مجمله أن توني بلير وريث عرش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لم يكن إلا تابعًا ذليلاً وخادمًا ومنفذًا لرغبات الرئيس الأمريكي بوش الابن.

    18 يوليو 2016 09:16:00

    هجوم نيس وانقلاب تركيا والحرب العالمية الجديدة

    منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره على موعد مع حرب عالمية جديدة يستحضر بها العالم مشاهد القرن الماضي عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية.

    16 يوليو 2016 11:30:00

    "ريف حلب" ونقطة التحوُل في الحرب السورية

    مما لا شك فيه أن ثوار سوريا أثبتوا أنهم أكثر تصميماً وأذكى تكتيكياً من تنظيم الدولة الإسلامية الذين استولوا على مساحات شاسعة من سوريا والعراق منذ عامين.

    14 يوليو 2016 10:45:00

    إغلاق