ولاية "عبد الرحمن الغافقي" ودخول الإسلام فرنسا

نشرت: - 08:06 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 1377

media//version4_6000004000000.gif

 

عزيزي القاريء.. من أحداث شهر صفر الهامة ولاية القائد البطل:

 "عبد الرحمن الغافقي":صفر 113 – شعبان 114هجرية

فمن هو هذا البطل والقائد العظيم؟ وماذا حقق من إنجازات في فترة ولايته على قصرها ؟

 

ولي "عبد الرحمن الغافقي" الأندلس لمرتين:

- الأولى:عندما قدّمه أهل الأندلس واليًا عليهم بعد مقتل الوالي السمح بن مالك الخولاني إلى أن حضر الوالي المعين من قبل الدولة الأموية عنبسة بن سحيم الكلبي في عام 103 هـ .

والثانية: بتكليف من والي أفريقية "عبيد الله بن الحبحاب" وكانت في: شهر: صفر/ عام 113 هـ

والآن نريدك – عزيزي القاريء – أن تتعرف على شخصية والي بني أمية في بلاد الأندلس (أسبانيا حالياً) ، فمَنْ هو القائد البطل "عبد الرحمن الغافقي" ؟

 

هو عبد الرحمن بن عبد الله بن بشر بن الصارم الغَافِقِيّ العَكِّيّ (ت 114هـ=732م)، ينتسب إلى قبيلة (غافق) وهي فرع من قبيلة (عك) باليمن، ويُكنى أبا سعيد, وكان من كبار القادة الغزاة الشجعان، وهو أحد التابعين – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى -، وكان لنشأة "عبد الرحمن الغافقي" في ظلال تربية الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، بالغ الأثر في السواء النفسي والشخصي، لهذا القائد الفذ.

وَفَدَ على سليمان بن عبد الملك الأموي في دمشق، وعاد إلى المغرب، فاتصل بموسى بن نصير وولده عبد العزيز، أيام إقامتهما في الأندلس، ووليَ قيادة الشاطئ الشرقي من الأندلس.

أخلاقه، وشهادة المؤرخين فيه:

 

كان "الغافقي" من أحسن الناس خُلُقًا، وكانت إنسانيته هذه تنبع من تربيته الإسلامية الصحيحة على يد الصحابة –رضي الله عنهم؛ فلا عجب إذا رأينا منه حُسْنَ السيرة في أخلاقه مع رعيته، ولا عجب إذا رأينا العدل والورع والصبر على الرعية، وإسداء المعروف للناس دون انتظار أي مقابل.

قال عنه الذهبي – رحمه الله: عبد الرحمن بن عبد الله الغَافِقِيّ أمير الأندلس وعاملها لهشام بن عبد الملك. روى عن ابن عمر، وعنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عياض، وذكره ابن بشكوال فيمن دخل الأندلس من التابعين.

وذكر الحميدي أنه روى الحديث عن ابن عمر، وروى عنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وكان صالحًا جميل السيرة في ولايته، كثير الغزو للروم، عَدْلَ القسمة في الغنائم.

كما أجمعت النصوص اللاتينية على الاعتراف بقدراته الحربية، والإشادة أيضًا بمهاراته الإدارية، حتى عده المؤرخون أعظم ولاة الأندلس.

 

فكر "الغافقي" العسكري

تميَّز القائد عبد الرحمن الغافقي من الناحية العسكرية بالحسم، وهو مبدأ في غاية الأهمية، ويحتاج إليه القائد؛ حتى لا تتشتَّت الأمور ويبعد الهدف في ظلِّ التراخي عن اتخاذ القرار وتأخير ذلك عن وقته.

كما تميَّز أسلوبه العسكري النابع من فكره الصائب بالتوازن، بين ما يملك من قوى وما يُريد من أهداف، إضافة إلى اعتماد مبدأ الإعداد قبل التلاقي؛ أي: إعداد الجنود والشعب كله قبل المعركة إعدادًا قويًّا من كافَّة النواحي، والتأكُّد من توافر كل أنواع القوة؛ بداية من قوة الإيمان بالله، مرورًا بقوَّة التماسك والأخوة بين أفراد الجيش جميعًا، بل وأفراد الشعب، وانتهاءً بقوة الساعد والسلاح، وهي القوة المادية، وعدم الاستهانة أو التقليل من شأن أي نوع من أنواع هذه القوى؛ فإن أي قصور في أي نوع منها كفيلٌ بجلب الهزيمة على الجيش كله.

 

كيف كان الحال قبل ولاية الغافقي ؟

بعد استشهاد عَنْبَسَة بن سُحَيْم - رحمه الله - بدأت الأمور في التغيُّر؛ فقد تولَّى حكم الأندلس مِن بعده مجموعة من الولاة على غير عادة السابقين، فعلى مدى خمس سنوات فقط (107-112هـ=725-730م) تولَّى إمارة الأندلس ستة ولاة، كان آخرهم رجل يُدعى الهيثم بن عبيد الكلابي – أو الكناني حسب بعض الروايات- وكان عربيًّا متعصبًا لقومه وقبيلته .. ومن هنا بدأت الخلافات تدبُّ بين المسلمين: المسلمون العرب من جهة والمسلمون الأمازيغ (البربر) من جهة أخرى، وكانت الخلافات بسبب التعصب للعِرْقِ أو العنصر، وهو أمر لم يحدث في تاريخ المسلمين منذ فتح الله على المسلمين هذه المناطق وإلى تلك اللحظة، ولم تمرّ خلافات العصبيات هذه مرور الكرام، وإنما دارت معاركُ ومشاحناتٌ بين المسلمين العرب والمسلمين الأمازيغ (البربر) راح ضحيتها الكثير من المسلمين.

 

أهم انجازات القائد "عبد الرحمن الغافقي":

شارك في معركة "تولوز" مع "السمح بن مالك الخولاني" التي هُزم فيها المسلمون أمام قوات "أودو" دوق أقطانيا، وبعد الهزيمة، انسحب بالقوات وتولى الأندلس(الولاية الأولى) إلى أن قدم "عنبسة بن سحيم الكلبي"، وخلال تلك الفترة القصيرة، استطاع "عبد الرحمن" أن يخمد بوادر التمرد في الولايات الشمالية، كما ثبّت وضع المسلمين في القواعد التي استولوا عليها في سبتمانيا.

 

- قاد بعد ذلك حملات بحرية على إيطاليا أثناء الفترة التي تلت تلك الولاية، فقد نقل المؤرخ "شكيب أرسلان" عن السياسي والمؤرخ "عبد العزيز الثعالبي" حيازته لوثائق تؤرخ لحملة بحرية على جنوب أوروبا أرسلها "إسماعيل بن أبي المهاجر" والي أفريقية عام 105 هـ بقيادة "عبد الرحمن الغافقي" حققت نجاحات في إيطاليا.

 

- القضاء على الصراعات بين المسلمين:

بدأ عبد الرحمن ولايته الثانية بالمصالحة بين العرب المضرية واليمانية وجمع كلمتهم، بعد أن التهبت الأمور ودبت روح النزاعات القبلية بينهما، نتيجة تحيّز بعض الولاة المتعصبين للمضريين على حساب اليمانيين، فمَنَّ الله على المسلمين به، وهم على تلك الحال من التناحر والصراعات؛ فقضى عليها ووحَّد الصفوف من جديد، ثم أخمد أيضاً تمرد البربر في الولايات الشمالية، وبدأ يبثُّ في الناس رُوح الإسلام الأولى، التي لم تُفَرِّق بين عربي وأعجمي إلاَّ بالتقوى والصلاح.

 

 

- مواصلة المشروع الحضاري لنشر الإسلام في ربوع أوروبا:

وكان للغافقي مشروعاً حضارياً، ورثه ممن سبقوه من القادة الذين ظلوا يلحون على تحقيقه منذ فتح الأندلس عام 91هـ، وكان حريصا على مواصلة الفتوحات الإسلامية متجهاً إلى الشمال؛ ليحقق أمنية القائد المجاهد موسى بن نصير، بحمل راية الإسلام وحضارته إلى شعوب أوروبا التي غرقت في الظلام، ثم ينفذ من أوروبا  إلى  القسطنطينية، وبذلك يعم الإسلام القارة الأوروبية.

 

- معركة بلاط الشهداء والتوغل داخل أراضي فرنسا:

بدأت أحداث معركة بلاط الشهداء في أوائل شهر رمضان سنة 114هـ، فنشبت بين الجيشين معارك جزئية لمدة ثمانية أيام، وفي اليوم التاسع نشبت بينهما المعركة الحاسمة، وعلى مقربة من نهر اللوار هجمت فرسان المسلمين على صفوف الفرنسيين، حتى بدا الإعياء عليهم، ولاح النصر في جانب المسلمين، وتكدست جثث القتلى من الجانبين طيلة النهار، حتى فصل الظلام بينهما، وكان الجنود المسلمون أُسدًا مغاوير، فقد اخترقوا الصفوف وراء قائدهم الباسل.. لكن "شارل مارتل" قائد جيش الغاليين (الفرنسيين)، علم أن المسلمين مثقلون بغنائمهم الثمينة، وكثيرًا منهم من البربر الذين يحرصون على نفائسهم الغالية، فعمل على اختراق معسكر غنائم المسلمين، وبالفعل حدث ارتباك في صفوف المسلمين وارتدت قوة كبيرة من الفرسان من قلب المعركة إلى ما وراء الصفوف لحماية الغنائم، وترك الكثيرون ميدان القتال واندفعوا إلى الخيام مذعورين، فدب الخلل في صفوف المسلمين...

 

حاول "الغافقي" لملمة جيشه، لكنه لم يتمكن، فترك الطامعين، واندفع مع خيرة جنوده ليقف بهم أمام الطوفان العاصف، واستبسلت كتيبة القائد "الغافقي" استبسالاً ينحني له التاريخ إجلالاً وإكبارًا، وبينما هو يتنقل بين الصفوف يقودها ويجمع شتاتها إذ أصابه من جانب الأعداء سهم أودى بحياته فارتقى البطل "الغافقي" شهيدًا رحمه الله رحمة واسعة.

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق