خلافة الفاروق..النموذج الفذ في إدارة الدولة

نشرت: - 07:31 ص بتوقيت مكة   عدد القراء : 390

media//version4_87987413468711356.jpg

 

22من جمادى الآخرة 13هـ = 24 من أغسطس 632م: تولية أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" خلافة المسلمين

أعزائي القراء

من بين الأعلام في تاريخ الإسلام يبرز اسم "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه تحوطه هالة من الإكبار والإجلال توارثتها الأجيال المسلمة، ولم تستطع أن تنكرها الأوساط المنصفة من غير المسلمين ممن يعرفون أقدار الرجال، واليوم ونحن في ذكرى تولي الصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" خلافة المسلمين نتعرض فقط لجانب من جوانب العظمة في هذه الشخصية، وإن كانت هذه السطور لا تمكننا من الإحاطة به..ألا وهو جانب الإدارة الفذة للدولة الإسلامية.

 

تولي الخلافة..وهيكلة الدولة الإسلامية

تولى "الفاروق" الخلافة بعد وفاة أول الخلفاء الراشدين "أبي بكر الصديق" رضي الله عنهم أجمعين، وقد استمرت خلافته نحو عشر سنوات، حقَّقت الدولة الإسلامية خلالها اتساعًا كبيرًا، وامتلأ عصره بالعديد من الإنجازات، والأمجاد الحضارية، والإدارية، والحربية، والسياسية.

ففي عصر الفاروق شهد النظام الإداري نقلة حضارية كبرى تمثلت في مدى اهتمام الخليفة وعنايته الفائقة بالنظم الإدارية، ففي عهده رسخت التقاليد الإدارية الإسلامية. يقول الطبري: في هذه السنة (15هـ 636م) فرض عمر للمسلمين الفروض ودَوَّن الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة، مما يؤكد مرونة العقلية الإسلامية وقبولها لتطوير نفسها..

كما تعد خلافة "عمر" رضي الله عنه هي فترة التأسيس الفعلي لهيكل الدولة الإسلامية، وقد امتاز نظام الحكم والإدارة في عهده بعدة ملامح رئيسة، منها:

 

- مباشرته أمور الخلافة بنفسه:

ألزم الخليفة الراشد "عمر" رضي الله عنه – نفسه بالتطبيق العملي لما أعلنه من مباديء الحكم وقواعده في خطبه العلنية والتي قال في إحداها مخاطباً رعيته:"ولا يحضرني من أموركم شيء فيليه أحد دوني" وبالفعل كانت هذه طريقته في مباشرة أمور الحكم، وتعهد أحوال الرعية بنفسه، وقد رآه "علي بن أبي طالب ذات مرة وهو يفعل ذلك فقال له:"لقد أذللت الخلفاء من بعدك. فقال عمر:"لا تلمني يا أبا الحسن، فوالذي بعث محمداً بالنبوة لو أن عَنَاقاً – أنثى الماعز – ذهبت بشاطيء الفرات لأُخذ بها عمر يوم القيامة"، وإلى هذه الدقة كان استشعاره البالغ للمسئولية يؤرقه ويدفعه إلى المتابعة الدقيقة لأحوال الأمة والحرص على مصلحتها.

 

- تدقيقه في اختيار الولاة وشدته في محاسبتهم:

وكان مبدأ الفاروق واضحاً منذ البداية في استبعاد أهله من الولاية، رغم كفاءة بعضهم وسبقه إلى الإسلام، وكان شديد الحرص على تخيّر ولاته من ذوي الكفاءة والتقوى والعفاف، حريصاً على مراقبتهم، شديد الزجر للمخطئين منهم والإنكار لأخطائهم، سريع العزل لمن يثبت في حقه التقصير.

وكان – رضي الله عنه -  شديدًا مع عمال الدولة الإسلامية، كان يوصيهم بأهالي الأقاليم خيرًا، فيروي الطبري أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: "اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، إني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إلي"، وكان إذا استعمل عاملاً كتب له عهدًا وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألا يركب برذوانًا، ولا يأكل نقيًا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يتخذ بابًا دون حاجات الناس.

 

- متابعة للولاة بمنتهى الدقة:

قال "عمر" يومًا لمن حوله: "أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما عليَّ؟ فقالوا: نعم. قال: لا، حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا ؟ "

وقد سار بحزم في رقابته الإدارية لعماله وتابعهم بدقة، وكانت طريقة عمر في الإدارة إطلاق الحرية للعامل في الشئون المحلية، وتقييده في المسائل العامة، ومراقبته في سلوكه وتصرفاته، وكان له جهاز سرى مربوط به لمراقبة أحوال الرعية، ومن أجل المتابعة الدقيقة للولاة, فقد كان علمه بمن نأى عنه من عماله كمن بات معه في مهاد واحد، وعلى وساد واحد، فلم يكن في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عامل أو أمير جيش إلا وعليه عين لا يفارقه، فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل صباحٍ ومساء، ذلك ملاحظٌ في كتبه إلى عماله حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الناس إليه وأخصهم، ومن أعجب وسائل "عمر" رضي الله عنه في متابعته لعماله طلبه من الولاة دخول المدينة نهارًا، فقد كان يطلب من ولاته دخول المدينة نهارًا، ولا يدخلوها بالليل حتى يظهر ما يكون قد جاءوا به من أموال ومغانم فيسهل السؤال والحساب.

ومن وسائله أيضاً طلب الوفود من الولاة، فقد كان "عمر" يطلب من الولاة أن يرسلوا وفدًا من أهل البلاد ليسألهم عن بلادهم، عن الخراج المفروض عليهم ليـتأكد بذلك من عدم ظلمهم، ويطلب شهادتهم فكان يخرج إليه مع خراج الكوفة عشرة من أهلها، ومع خراج البصرة مثلهم، فإذا حضروا أمامه شهدوا بالله أنه مال طيب ما فيه ظلم مسلم ولا معاهد وكان هذا الإجراء كفيلاً بمنع الولاة من ظلم الناس إذ لو حدث هذا لرفعه هؤلاء الموفدون إلى أمير المؤمنين وأخبروه به، كما أن عمر في الغالب كان يقوم بمناقشة هؤلاء الموفدين وسؤالهم عن بلادهم، وعن ولاتهم وسلوكهم معهم.

ومن هذه الوسائل أيضاً (رسائل البريد)، فقد كان رضي الله عنه يرسل البريد إلى الولاة في الأمصار و يأمر عامل البريد عند العودة إلى المدينة أن ينادى في الناس من الذي يريد إرسال رسالة إلى أمير المؤمنين؟ حتى يحملها إليه دون تدخل من والى البلد، وكان صاحب البريد نفسه لا يعلم شيئًا من هذه الرسائل، وبالتالي يكون المجال مفتوحًا أمام الناس لرفع أي شكوى أو مظلمة إلى عمر نفسه دون أن يعلم الوالي أو رجاله بذلك، وحينما يصل حامل الرسائل إلى عمر ينثر ما معه من صحف، ويقرأها عمر ويرى ما فيها.

 

- تدوين الدواوين وتنظيم العطاء:

لما كثرت أموال الغنائم من الفتوحات الإسلامية،استشار "عمر" في شأنها، فأشير عليه بأن يدوّن ديواناً كالروم، ففعل ورتب الناس على أساس قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم على أساس السابقة والفضل في الدين، فبدأ بمن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار.

 

- اعتماده مبدأ "العمل سبيل القوة":

كن الفاروق صاحب هذه العقلية الإدارية الفذة والتي تعلمت الإدارة عمليًّا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس ممن يحبون الكلام وكثرته، بل إن شغلهم الشاغل إنما هو العمل النافع والتطبيق العملي واستثمار كل الطاقات البشرية الموجودة لديه في خدمة الإسلام وفي خدمة البشرية أيضًا.

وكان يوجه الرعية إلى ذلك فهماً وتطبيقاً، فيقول: "القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية، واتقوا الله فإنما التقوى بالتوقي ومن يتق الله يقه" .

 

- التأريخ وتأسيس بيت المال:

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من وضع التأريخ وكتبه وذلك في العام السادس عشر للهجرة، كما أنه أول من وضع تقليدًا بتأريخ الكتب والرسائل وختم بالطين. وهو أول من جمع الناس على إمام لصلاة التراويح في شهر رمضان وكتب بذلك إلى البلدان، وكان في العام الرابع عشر، وكان أول من حمل الدرة وضرب بها تأديبًا.

وشهد عصره بالإضافة إلى ذلك تنظيمات إدارية أخرى متنوعة فوضع أساس بيت المال ونظم أموره، وكان يعس ليلاً، ويرتاد منازل المسلمين، ويتفقد أحوالهم بيديه، وكان يراقب المدينة ويحرسها من اللصوص والسراق، كما كان يراقب أسواق المدينة ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم، وهو في هذا كله يتأسى بسنة رسول الله .

 

 

 

 

أخيراً..أعزائي القراء، والكلام عن الفاروق - رضي الله عنه - ليس له آخر ..

قد يخبو ضوء العبقرية بمرور الزمان فلا يسهل حينئذ أن يقدرها المتأخرون قدرها الحقيقي إلا إذا وضعوا في اعتبارهم طبيعة العصر الذي عاش فيه العبقري وظروفه وما يتصل به، ولكن عندما تتخطى الشخصية الفذة حدود الزمان والمكان والجنس والإقليم والذات؛ فإنها تثير في النفس الإنسانية – من أي جنس وفي أي زمان شعور الإكبار والتقدير لتصير بجدارة القدوة والنموذج الذي يحتذى.

رضي الله عن الفاروق واللهم ارزقنا حسن الأخذ عنه والاقتداء به إلى يوم الدين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين:د.حمدي شاهين
  • السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء الراشدين:د.محمد علي دبور
  • موقع قصة الإسلام

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق



    facebook twitter rss

    الكنيست يؤجل التصويت على منع الأذان في القدس

    قرر الكنيست "الإسرائيلي"، اليوم الأربعاء، تأجيل التصويت بالقراءة الأولى، على مشروع قانون منع رفع الأذان في المساجد بمكبرات الصوت في أراضي 48 المحتلة والقدس , حتى يوم الاثنين المقبل.

    30 نوفمبر 2016 05:55:00

    السعودية: القبض على شاب انتحل صفة فتاة واحتال على ضحاياه

    أطاحت شعبة التحريات والبحث الجنائي بشرطة الطائف بشاب عشريني انتحل شخصية فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

    30 نوفمبر 2016 05:45:00

    رسالة وداع من "مفكرة الإسلام"... اليوم نضع رحالنا

    نعم؛ لقد حان وقت الوداع والتوقف بعد هذه الفترة الطويلة الجميلة ... نفترق عنكم وكلٌّ منَّا يحمل بطيّات قلبه مشاعرَ مختلطةً ما بين محبةِ الماضي وحُزْنِ الانقطاع، ومودَّةِ التواصُل وأسى الفراق

    30 نوفمبر 2016 05:25:00

    إطلاق النار على السفارة الأمريكية في تشاد‎‎

    تعرضت السفارة الأمريكية، بالعاصمة التشادية "نجامينا"، اليوم الأربعاء، إلى إطلاق نار كثيف، وفق وسائل إعلام محلية.

    30 نوفمبر 2016 05:22:00

    إجلاء آلاف الأمريكيين في ولاية تينسي بسبب حرائق الغابات

    تسبّبت حرائق الغابات في إجلاء آلاف السكان، وتحطم وإلحاق أضرار بالغة بالكثير من المباني غربي ولاية تينسي الأمريكية، وتحديداً في مدينتي غاتلينبرغ وبيجون فورج، خلال الساعات الماضية.

    30 نوفمبر 2016 04:45:00

    تعطيل جلسة للبرلمان الأسترالي بسبب اللاجئين

    رفع البرلمان الأسترالي أعمال إحدى جلساته بعد أن أجبرت هتافات محتجين معارضين لسياسة البلاد بشأن اللاجئين رئيس الوزراء طوني سميث على ترك القاعة.‎‎

    30 نوفمبر 2016 04:30:00

    أوروبا وحيدة في عالم ترمب

    مرة أخرى، تصبح أوروبا وحدها. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تنظر إلى العالم من خلال عدسة عبر أطلسية. ولم يخل الأمر من لحظات سعيدة وأخرى كئيبة في التحالف مع الولايات المتحدة.

    26 نوفمبر 2016 07:47:00

    نهاية القوة الأميركية الناعمة

    أصبح الحلم الأميركي كابوسا على العالم. وستستمر الشياطين في الصعود من صندوق باندورا في عام 2016 -مع تقارير حول استعمال العنصرية من قبل أنصار ترمب- وتشويه الآخرين أيضا.

    23 نوفمبر 2016 07:53:00

    لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

    تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن انتخابات الرئاسة الأميركية هي سبب وجودها

    19 نوفمبر 2016 07:54:00

    ترامب الرئيس وجبهاته المفتوحة

    يحتاج العالم قسطا من الزمن كي يستوعب حقيقة فوز شخص اسمه دونالد ترامب برئاسة أميركا

    10 نوفمبر 2016 12:25:00

    أميركا بعد الانتخابات

    أظهرت الحملة الرئاسية الجارية في الولايات المتحدة افتقارها إلى الكياسة ووجود فوارق شاسعة بين المرشحين.

    05 نوفمبر 2016 08:17:00

    سيناريو الرعب في الانتخابات الأميركية

    أميركا لم تقدم في هذه الانتخابات خيارات مشرفة لها ولا للعملية الديمقراطية فيها، بل وضعت نفسها في أزمة، والعالم من حولها في قلق من التداعيات خصوصًا مع سيناريو الرعب الذي تمثله ظاهرة ترامب.

    03 نوفمبر 2016 07:46:00

    إغلاق